لم تكن سهرة الأربعاء 19 أوت 2026 مجرد موعد غنائي لإسدال الستار على الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي بل بدت أقرب إلى مصافحة أخيرة بين جمهور عاشق للفن وفنانة تعرف كيف تجعل من المسرح مساحة للحب والذاكرة والحنين.
كانت ماجدة الرومي في الموعد حضرت إلى قرطاج لا لتغني فقط وإنما لتروي بصوتها وحضورها حكاية أجيال آمنت بأن الفن يمكن أن يكون جسرا بين الشعوب وأن الأغنية قادرة أحيانا على أن تقول ما تعجز السياسة عن قوله.
ومنذ اللحظة الأولى اختارت «الماجدة» أن تضع عنوانا واضحا لسهرتها: الحب والسلام قالت لجمهورها إن هذه ليست حفلة وإنما عرس وفي الأعراس يغني الجميع ثم مضت في بناء تلك الحالة الخاصة التي طالما صنعتها على المسارح العربي حيث لا يحتاج الصوت إلى مؤثرات كثيرة حتى يفرض حضوره، ولا تحتاج الفنانة إلى حركة زائدة حتى تملأ ركح قرطاج.
عندما يصبح الصوت ذاكرة
ماجدة الرومي ليست من الفنانات اللواتي يكتفين بأداء الأغاني هي تنتمي إلى مدرسة تجعل من الكلمة حدثا ومن اللحن ذاكرة ومن الصوت موقفا.
في قرطاج بدا واضحا أن الجمهور لم يأت فقط للاستماع إلى أغنيات يعرفها ويحفظها وإنما جاء ليستعيد معها شيئا من زمن الأغنية العربية الجميلة زمن كانت فيه القصيدة تحتل مكانا مركزيا في العمل الغنائي وكان المطرب مطالبا بأن يكون صوته قادرا على حمل الكلمة ومعناها وإحساسها.
غنت «كلمات» و«عيناك ليال صيفية» و«عم يسألوني» و«لا تسأل» و«كن صديقي» و«مطرحك بقلبي» وغيرها فكانت كل أغنية محطة في رحلة طويلة من الذكريات.
لكن اللافت أن جمهور قرطاج لم يكن متلقيا سلبيا لقد كان شريكا حقيقيا في الحفل يردد ويصفق ويستعيد الكلمات ويمنح الفنانة من الحب بقدر ما تمنحه هي من إحساس.
من قرطاج إلى لبنان… أغنية وطن
ولأن ماجدة الرومي لم تفصل يوما بين الفن والإنسان كان لبنان حاضرا بقوة في هذه السهرة.
من تونس حملت الفنانة تحية إلى وطنها الجريح إلى لبنان الذي قالت عنه الكثير وغنت له طويلا ولم يكن ذلك غريبا على فنانة جعلت من صوتها منذ بداياتها وسيلة للدفاع عن صورة بلدها وعن حق الإنسان في الحياة والسلام.
فمنذ «عم بحلمك يا حلم يا لبنان» التي ارتبطت بذاكرة الحرب اللبنانية إلى أعمالها اللاحقة ظل لبنان حاضرا في وجدانها وفي مشروعها الفني.
كانت تلك اللحظة في قرطاج أكثر من أغنية كانت رسالة من بلد إلى بلد ومن شعب إلى شعب ومن فنانة وجمهور إلى وطن يتطلع إلى السلام.
قرطاج… قصة حب عمرها أكثر من أربعة عقود
ولعل أجمل ما في علاقة ماجدة الرومي بقرطاج أنها ليست علاقة عابرة بين فنانة ومهرجان.
هنا على هذا المسرح تحديدا، بدأت إحدى أهم محطات مسيرتها سنة 1980 ومنذ ذلك التاريخ ظل اسم قرطاج حاضرا في ذاكرتها الفنية وظلت تونس حاضرة في وجدانها.
ولم تخف الفنانة في مناسبات عديدة امتنانها لهذا البلد الذي احتضن تجربتها وفتح لها أبوابا واسعة نحو الجمهور العربي.
ولأن رد الجميل كان دائما جزءا من علاقتها بتونس غنت من التراث التونسي واستحضرت اللهجة التونسية في محاولة منها للتعبير عن خصوصية العلاقة التي تربطها بهذا الجمهور.
كما كرمتها تونس سنة 2010 بمنحها الصنف الأول من وسام الاستحقاق الثقافي واستقبلها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي سنة 2017 بقصر قرطاج فيما كانت لها زيارة تضامنية إلى تونس سنة 2015 إثر العملية الإرهابية التي استهدفت متحف باردو.
أكثر من أربعين عاما إذن لم تكن فيها العلاقة مجرد مواعيد فنية وإنما مسيرة متواصلة من المحبة والوفاء.
فنانة من زمن لا يزال جميلا
ربما تكمن قوة ماجدة الرومي اليوم في أنها لم تحاول يوما أن تكون نسخة من زمنها.
هي تنتمي إلى زمن الأغنية الكبيرة لكنها لم تتوقف عنده حافظت على هويتها وعلى حضورها، وعلى ذلك الوقار الذي جعلها مختلفة في المشهد العربي.
صوتها يحمل الشجن لكنه لا يغرق في الحزن قوي لكنه لا يحتاج إلى استعراض عاطفي لكنه لا يفقد توازنه ولذلك استطاعت أن تبقى حاضرة لدى أجيال مختلفة وأن تجعل القصيدة العربية قابلة للحياة على المسرح من جديد.
ومن «يا طيور» التي كانت من بداياتها إلى أعمالها الحديثة ظلت ماجدة الرومي تبحث عن الأغنية التي تليق بصوتها وبمشروعها، وتصر على أن الفن ليس مجرد صناعة للترفيه وإنما مسؤولية وذاكرة وموقف.
عندما يصمت المسرح ويبقى الصدى
استمرت السهرة نحو ساعتين لكن الزمن بدا أقصر بكثير كان الجمهور يريد المزيد وكانت الفنانة تعيش اللحظة بكل تفاصيلها.
وحين انتهت الأغنية الأخيرة لم يكن سهلا على الجمهور أن يعتبر أن الحفل انتهى فعلا فبعض الحفلات تنتهي بانطفاء الأضواء أما حفلات ماجدة الرومي فتترك شيئا في الذاكرة يستمر بعد مغادرة المسرح.
وهكذا اختارت الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي أن تكتب فصلها الأخير بصوت امرأة جعلت من الغناء لغة للحب والسلام ومن حضورها الفني جسرا بين الماضي والحاضر.
لم يكن ختام قرطاج مجرد نهاية دورة مهرجان.
كان في جانب منه احتفاء بزمن جميل للأغنية العربية وتجديدا لوعد الفن بأن يبقى قادرا على جمع الناس حول الكلمة الجميلة والموسيقى الراقية والحلم بالسلام.
وغادرت ماجدة الرومي المسرح لكن صوتها بقي معلقا في فضاء قرطاج… وكأن المدينة العتيقة التي حفظت على مدى قرون أصوات الشعراء والفنانين أرادت أن تحتفظ هذه المرة أيضا بصدى «الماجدة».
ايمان مهني
















