بعد ثمانية أعوام من الغياب عادت الديفا أمينة فاخت إلى ركح المسرح الأثري بقرطاج ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي لتؤكد من جديد أن بعض الفنانين لا يعتلون الخشبة فحسب بل يحوّلونها إلى فضاء من السحر والدهشة والجنون الجميل.
كانت سهرة استثنائية بكل المقاييس لقاءً طال انتظاره بين فنانة يعرفها الجمهور التونسي ويحبها وبين جمهور جاء متعطشًا إلى «السلطنة» والفرح وإلى تلك الحالة التي لا تصنعها سوى أمينة فاخت.
منذ اللحظات الأولى بدا المسرح وكأنه يستعد لاستقبال حالة فنية لا تشبه غيرها انطلقت السهرة بلوحة راقصة قبل أن تتولى الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف بلهاني وبمشاركة عازفين من الجزائر رسم المقدمات الموسيقية التي مهّدت لظهور «ملكة الحفل». وحين اعتلت أمينة الخشبة متوجة بالحب ومحاطة بالراقصين لم يعد الأمر مجرد حفل موسيقي بل انفتح المشهد على فرجة متكاملة العناصر.
أمينة فاخت… حين يصبح الغناء مشهدًا
أمينة فاخت ليست مجرد صوت قوي أو مطربة صاحبة حضور استثنائي إنها حالة فنية متكاملة.
على الركح تغني بجسدها كما تغني بصوتها؛ تتفاعل مع كل نوتة تتماهى مع كل لحن وتترك للارتجال والعفوية مساحة واسعة لصناعة اللحظة. حركتها، نظراتها انفعالاتها، وحتى «الآهة» التي تخرج منها في لحظة انسجام مع الموسيقى، كلها تتحول إلى جزء من العرض. لذلك، فإن متابعة أمينة فاخت على المسرح تشبه مشاهدة مونودراما فنية تكتبها الفنانة لحظة بلحظة بالصوت والجسد والإحساس. ولعل سرّ تفرّدها يكمن في قدرتها على تحويل الجمهور من متفرج إلى شريك في صناعة العرض فهي لا تغني أمام جمهورها بقدر ما تغني معه وتترك له مساحة ليكون جزءًا من الإيقاع والفرح والجنون.
«أريد طاقة الحب»… وقرطاج يردّ
كان الحنين واضحًا في هذا اللقاء بعد سنوات الغياب وكانت أمينة كلما توقفت بين أغنية وأخرى تعود إلى جمهورها بكلمات تختصر طبيعة العلاقة الخاصة التي تجمعها بقرطاج:
«الحب… أريد طاقة الحب أحبكم جدًا».
وكان الجمهور يرد بالطريقة التي يجيدها جمهور أمينة فاخت: بالغناء والتصفيق والصياح والتفاعل مع كل حركة وكل نغمة.
كلما غنت بدت وكأنها تغادر المكان إلى فضاء آخر؛ فضاء لا تحكمه الساعة ولا المسافة حالة من الاتحاد الكامل مع اللحن والكلمة تذكّر بحالة الصوفي حين يتماهى مع عوالمه الداخلية وكما يرتقي جسد الصوفي تدريجيًا في دورانه كانت أمينة ترتقي مع الموسيقى، وتحمل جمهورها معها بعيدًا إلى مجازات خارج الزمان.
من «سلطان حبك» إلى «مازال بدري»
كان البرنامج رحلة في ذاكرة أمينة فاخت الفنية استحضرت خلالها عددًا من أشهر أغانيها والأغاني التي ارتبط بها جمهورها عبر السنوات.
غنت «سلطان حبك»، و**«عالجبين عصابة»، و«لا مرة»، كما أدت «أهو جاني» لمحمد الأسود، و«تشبه السكر»** و**«أنت توعد وتخلف»** لأحمد الماجري، و**«يا ريس البحر»** لثامر علواني إلى جانب أعمال لمحمد الروافي من ليبيا.
لكن المفاجأة لم تكن في استعادة الذاكرة فقط بل في قدرة أمينة على المغامرة أيضًا فقد قدمت إنتاجها الجديد «مازال بدري»، لتثبت أن علاقتها بالجمهور لا تقوم على النوستالجيا وحدها وأنها قادرة على افتكاك انتباهه حتى حين تضع أمامه أغنية جديدة.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص تجربتها: قدرتها على جعل الجمهور يحب الأغنية ويتفاعل معها حتى من المرة الأولى.
بين الطرب والاستعراض… هوية لا تشبه سواها
منذ بداياتها اختارت أمينة فاخت أن تشق طريقها بعيدًا عن القوالب الجاهزة جمعت بين الطرب والفرجة وبين الغناء والاستعراض وحوّلت ظهورها فوق الركح إلى احتفال جماعي مفتوح على الإحساس والارتجال والعفوية.
انتقلت في سهرتها بين الأغنية العاطفية والطربية والاستعراضية وانسجمت مع الألحان الهادئة قبل أن تنطلق مع إيقاعات الأغنية الشعبية دون أن تفقد في أي محطة هويتها الخاصة.
هي فنانة تستطيع أن تعبر بين الأنماط والألوان الموسيقية المختلفة لكنها تظل في كل مرة أمينة فاخت.
الرقص… دستورها فوق الخشبة
في تجربة أمينة لا يأتي الرقص كعنصر إضافي للعرض بل يبدو جزءًا أصيلًا من لغتها الفنية إنها تكتب مشهدية راقصة خاصة بها تخترق الذاكرة البصرية للمتلقي وتعتمد لغة الجسد باعتبارها وسيلة أخرى للتعبير.
وكانت سينوغرافيا المسرح امتدادًا لهذا العالم ألوان حية وحارة تتوسطها صورة الديفا لتكتمل لوحة بصرية تنسجم مع طبيعة العرض وحيويته.
أمينة لا تؤدي الأغنية فقط بل تمنحها جسدًا وصورة وحركة ولهذا يبدو كل ظهور لها وكأنه قطعة فسيفساء تتناثر تفاصيلها في البداية قبل أن تتولى هي منذ لحظة صعودها إلى الخشبة مهمة تركيبها أمام الجمهور.
قرطاج… عهد يتجدد
للحب غنت أمينة فاخت ومن الحب كتبت أجمل لقاءاتها مع جمهورها وللفرحة نسجت وشاح سهرة امتدت فيها الأغنية إلى حدود الانفعال وتحولت فيها الخشبة إلى مساحة مشتركة للبوح والرقص والاحتفال.
كان جمهور قرطاج حاضرًا بكل جوارحه يغني معها يصفق لها ويرقص على إيقاعها بينما كانت هي تستمد من تفاعله طاقة إضافية جعلت السهرة تتجاوز حدود العرض الموسيقي التقليدي.
في تلك الليلة لم تكن أمينة فاخت ضيفة على قرطاج بدت وكأنها تعود إلى مكان تعرفه ويعرفها إلى ركح يحمل الكثير من ذاكرتها وإلى جمهور يحتفظ لها بمكان خاص.
سهرة الديفا في قرطاج كانت عنوانًا للصخب والجنون والفرح لقاءً آسرًا بين فنانة مختلفة وجمهور متعطش للحظة من السلطنة.
وبعد ثمانية أعوام من الغياب أثبتت أمينة فاخت أن بعض العهود لا تنتهي وأن علاقتها بقرطاج ليست موعدًا عابرًا في رزنامة المهرجانات بل حكاية نجاح تتجدد كلما صعدت الديفا إلى الخشبة
ايمان مهني
















