انتخابات، تربصات، صور، تحقيقات، تنظيم، هيكلة، تعيينات… تفاصيل كثيرة تحيط بالمشهد الرياضي التونسي، وتحديدًا بكرة القدم، حتى أصبح أحيانًا من الصعب التمييز بين ما يحدث داخل الملعب وما يدور خارجه.
وفي خضم كل ذلك، يبدو الترجي الرياضي التونسي وكأنه يفوز، من بعيد، ببطولة أخرى غير تلك التي تُحسم فوق العشب: بطولة التنظيم، والاستقرار، وإدارة المرحلة، وحسن التعامل مع التحولات. لكن، مهما كانت قوة هذا الانطباع، يجب ألا نقع في فخ الاعتقاد بأن كرة القدم علم دقيق يمكن اختزال نتائجه في المعادلات والقرارات الإدارية.
كرة القدم، في نهاية الأمر، لعبة تحتمل المفاجأة، ويصنع فيها تفصيل صغير تاريخ بطولة كاملة.
كرة على العارضة، تسديدة كان يمكن أن تدخل، تصدٍّ في اللحظة الأخيرة، خطأ تحكيمي، قرار في غرفة الـVAR، أو حتى سنتيمترات قليلة تفصل مهاجمًا عن تسلل… كل هذه التفاصيل قادرة على تغيير مسار مباراة، وربما مسار موسم كامل.
ولهذا، فإن كل ما يُبنى خارج الملعب — من انتخابات وهيكلة وتعيينات وتربصات وإعداد بدني وتنظيم إداري وتحقيقات وقرارات — يظل مهمًا، لكنه لا يضمن وحده الانتصار.
النجاح الرياضي يحتاج إلى منظومة متماسكة، نعم، لكنه يحتاج أيضًا إلى شيء لا يمكن التحكم فيه بالكامل: الحظ، واللحظة، والكرة نفسها.
ومن هنا تأتي ضرورة الحذر في إطلاق الأحكام، وضرورة تنسيب كل الأهداف. فلا ينبغي أن نمنح أنفسنا يقينًا مطلقًا قبل أن تُلعب المباريات، ولا أن نحاكم موسمًا كاملًا بناءً على لقطة واحدة، ولا أن نهدم عمل سنوات بسبب كرة اصطدمت بالعارضة أو قرار تحكيمي مثير للجدل.
قد ينجح فريق في بناء أفضل منظومة إدارية وفنية، ثم يخسر بطولة بسبب تفاصيل صغيرة. وقد يحدث العكس تمامًا: فريق أقل جاهزية يجد نفسه في اللحظة المناسبة، فيحصد اللقب.
وهنا تكمن جمالية كرة القدم وقسوتها في الوقت نفسه.
لذلك، إذا كان الترجي قد بدأ يبدو وكأنه يفوز من بعيد، فإن البطولة الحقيقية لا تُحسم في المكاتب ولا في الانتخابات ولا في الصور ولا في التعيينات ولا في التحقيقات، وإنما في الملعب.
أما كل ما يسبق ذلك، فهو مجرد إعداد للمعركة.
والكرة، في النهاية، لا تعترف إلا بمن يضعها في الشباك.
ولهذا أيضًا، يجب ألا نهدر كل ما بُذل وبُني لمجرد أن كرة مرت على العارضة، أو أن قرارًا تحكيميًا غيّر اتجاه مباراة. فالعمل الجيد لا يصبح سيئًا بسبب نتيجة واحدة، كما أن الانتصار لا يعني بالضرورة أن كل شيء كان صحيحًا.
في كرة القدم، يمكن أن تخسر المباراة دون أن تكون قد خسرت المشروع، ويمكن أن تفوز بالبطولة دون أن تكون قد امتلكت الحقيقة كلها.
وهذا هو الدرس الذي يجب ألا ننساه ونحن نتابع المشهد من بعيد، قبل أن تقول صافرة الحكم الأخيرة كلمتها.الترجي يفوز من بعيد ببطولة ما بين المنظومة والملعب
ايمان محسن مهني
















