ما إن انسابت الألحان الأولى من أغنية “Hier encore” حتى خفتت الأصوات في مدارج المسرح الأثري بالحمامات، حيث امتلأت المقاعد عن آخرها في سهرة الثلاثاء 4 أوت 2026 ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي. لم يكن الجمهور على موعد مع حفل غنائي فرنسي تقليدي، بل مع رحلة موسيقية وإنسانية استعاد من خلالها الفنان اللبناني غسان يَمِّين سيرة أسطورة الأغنية الفرنسية شارل أزنافور، عبر أشهر أعماله وذكريات شخصية جمعته به.
وفي مستهل السهرة، رحّب يَمِّين بالجمهور التونسي الذي يلتقيه للمرة الأولى، معربًا عن سعادته بالمشاركة في مهرجان الحمامات الدولي. وقال إنه يأمل أن يتقاسم مع الحاضرين ذكريات أزنافور، وأن يصنع معهم في المقابل ذكريات جديدة، مؤكّدًا اعتزازه بالعلاقة التي جمعته بالفنان الفرنسي الراحل، والتي أتاحت له الاستماع مباشرة إلى قصص بداياته، وإخفاقاته، وطموحاته، قبل أن يحقق نجاحًا عالميًا جعله أحد أبرز رموز الأغنية الفرنسية.
وجاء حضور غسان يَمِّين على الركح هادئًا وواثقًا، معتمدًا على قوة الأداء والتعبير أكثر من الحركة. فكان يتنقل بخفة بين الميكروفون والبيانو، ويوظف لغة الجسد والإيماءات ليبقي خيط التواصل قائمًا مع الجمهور، بينما كانت الحكايات التي يرويها بين الأغاني تمنح السهرة طابعًا سرديًا مميزًا، وكأنها فصل من سيرة أزنافور يُكتب بالموسيقى.
ولم يكتف الفنان بأداء الأغاني، بل حرص على تقديم خلفياتها والظروف التي وُلدت فيها، مستعرضًا محطات مفصلية في حياة أزنافور. ومن أكثر اللحظات تأثيرًا حديثه عن السنوات الأولى للفنان الفرنسي، حين واجه انتقادات بسبب صوته ومظهره وحضوره على المسرح، قبل أن يتغير مسار حياته بعد النجاح الذي حققه في كندا، ثم عودته إلى باريس ليصنع مجده من بوابة مسرح “الأولمبيا”. وعقب هذه الرواية، أدى يَمِّين أغنية “Je m’voyais déjà” التي ارتبطت بتلك المرحلة من مسيرة أزنافور.
وشهد العرض أيضًا لحظات عفوية قربت الفنان من جمهوره، إذ مازح الحاضرين قائلاً إنه يبذل جهدًا مضاعفًا في التركيز “بين حرارة الطقس وحرارة استقبالكم”، لتتعالى التصفيقات والابتسامات في أرجاء المسرح.
أما اللحظة الأكثر تأثيرًا، فجاءت مع أغنية “La mamma”، حين توقف يَمِّين قبل أدائها ليؤكد أنها تتحدث عن أغلى الأشخاص في حياة الإنسان، متمنيًا الصحة لجميع الأمهات، ومترحمًا على من رحلن. وساد الصمت أرجاء المسرح طوال الأغنية، قبل أن ينفجر الجمهور في تصفيق طويل عكس حجم التأثر الذي خلفته كلماتها وأداؤها.
وضم البرنامج باقة من أشهر أعمال شارل أزنافور، من بينها “Que c’est triste Venise” و**”Mes emmerdes”** و**”Mourir d’aimer”** و**”She”** و**”Les comédiens”** و**”La bohème”** و**”Emmenez-moi”**. وأوضح غسان يَمِّين أن اختيار هذه الأغاني لم يكن مهمة سهلة أمام الإرث الغنائي الضخم الذي تركه أزنافور، معربًا عن أمله في أن يكون قد نجح في تقديم الأعمال الأكثر حضورًا في ذاكرة عشاقه.
وساهمت مرافقة Magic Strings Orchestra في منح السهرة بعدًا أوركستراليًا حافظ على روح الأعمال الأصلية، مع توزيعات موسيقية عصرية احترمت هوية الأغاني التي صنعت شهرة أزنافور على امتداد عقود.
ويُعد عرض “منّي إلى أزنافور” امتدادًا للمسيرة الفنية لغسان يَمِّين، الذي جمع بين الغناء والعزف على البيانو والتأليف الموسيقي، بعد تكوين أكاديمي في لبنان وفرنسا شمل الموسيقى والمسرح. ومن خلال هذا المشروع، يواصل الفنان اللبناني تقديم تراث شارل أزنافور إلى جمهور جديد، مستندًا إلى معرفته الشخصية بالفنان الراحل وإلى رؤية موسيقية تسعى إلى صون هذا الإرث وإحيائه على المسارح المعاصرة.
وبين الأغاني والذكريات، نجح غسان يَمِّين في تحويل سهرة الحمامات إلى احتفاء صادق بفنان استثنائي ترك بصمة خالدة في تاريخ الموسيقى، مؤكّدًا أن الأعمال العظيمة قادرة دائمًا على عبور الزمن والوصول إلى قلوب أجيال جديدة.















