لم يكن الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل حدثاً عادياً في تاريخ المنطقة، بل يمثل تحولاً سياسياً وأمنياً قد يعيد رسم موازين القوى داخل لبنان قبل أن يغيّر معادلات الصراع مع إسرائيل. فالملف لم يعد يقتصر على وقف إطلاق النار أو ترسيم ترتيبات أمنية، بل بات يلامس القضية الأكثر حساسية في الداخل اللبناني: احتكار الدولة للسلاح ومستقبل حزب الله.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يقود هذا الاتفاق إلى حرب أهلية جديدة؟
الإجابة ليست بسيطة. فهناك مؤشرات تدعو إلى القلق، لكن في المقابل توجد عوامل قوية تجعل معظم القوى اللبنانية تدرك أن العودة إلى الحرب الداخلية ستكون كارثة لا يحتملها بلد يعيش أصلاً انهياراً اقتصادياً ومؤسساتياً غير مسبوق.
قد تتصاعد حدة الانقسام السياسي إذا اعتبرت بعض القوى أن الاتفاق يشكل بداية لنزع سلاح حزب الله أو تقليص نفوذه، بينما يرى آخرون أن الفرصة أصبحت سانحة لإعادة القرار الأمني والعسكري إلى مؤسسات الدولة اللبنانية. وهذا الانقسام قد ينعكس في الشارع ويؤدي إلى توترات أمنية واحتكاكات موضعية، خصوصاً إذا ترافق مع ضغوط خارجية لتسريع تنفيذ بنود أمنية حساسة.
لكن الانتقال من التوتر السياسي إلى الحرب الأهلية الشاملة ليس أمراً حتمياً. فجميع اللبنانيين يدركون الثمن الباهظ الذي دفعوه خلال حرب 1975-1990، كما أن البيئة الإقليمية والدولية تبدو أكثر ميلاً إلى احتواء الانفجار الداخلي بدلاً من تشجيعه، رغم استمرار الضغوط والتجاذبات.
ويبقى العامل الحاسم هو كيفية معالجة ملف سلاح حزب الله. فإذا جرى التعامل معه عبر توافق وطني وتدرج سياسي، فقد يتحول الاتفاق إلى فرصة لإعادة بناء الدولة اللبنانية. أما إذا فُرضت حلول بالقوة أو عبر صدام مباشر، فإن خطر الانزلاق إلى مواجهات داخلية سيبقى قائماً، حتى وإن لم يتطور إلى حرب أهلية شاملة.
إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يكون الاتفاق بداية لاستعادة الدولة وسيادتها، وإما أن يتحول إلى شرارة تعمّق الانقسامات الداخلية إذا غابت الحكمة والتوافق. والتاريخ اللبناني يعلمنا أن الأزمات لا تنفجر بسبب الاتفاقات وحدها، بل بسبب طريقة إدارة تداعياتها.
















