على امتداد سنوات طويلة، ظل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس رمزًا للعولمة الليبرالية ومركزًا لصياغة التوجهات الكبرى للاقتصاد والسياسة عالميًا. هناك، كانت النخب السياسية والمالية الغربية تمسك بزمام النقاش وتحدد مسارات المستقبل.
اليوم، هذا المشهد لم يعد ثابتًا كما كان. فمع تصاعد الانتقادات لهيمنة الغرب على هذه المنصات، بدأت ملامح بديل جديد تتشكل، تقوده تركيا بطموح واضح لإنشاء فضاء دولي موازٍ يعكس صوت الاقتصادات الناشئة ودول الجنوب.
منذ عام 2021، انتهجت أنقرة سياسة نشطة تقوم على “دبلوماسية المنتديات”، حيث تحوّل منتدى أنطاليا الدبلوماسي إلى منصة بارزة تجمع قادة العالم من مختلف القارات. وفي نسخة 2026، شهد المنتدى حضورًا واسعًا ضم آلاف المشاركين، من رؤساء دول ووزراء ومسؤولين دوليين، ما يعكس تنامي جاذبيته وتأثيره.
بالتوازي، عززت إسطنبول مكانتها كمركز اقتصادي من خلال استضافة منتديات صناعية واستثمارية تربط بين الفاعلين من آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، في محاولة لبناء شبكة تعاون جديدة خارج الأطر التقليدية.
ما يميز هذه المبادرات ليس فقط حجم المشاركة، بل طبيعة الحضور أيضًا. فبدل هيمنة المؤسسات المالية الغربية، برزت صناديق سيادية خليجية، ووزراء من دول إفريقية، ومستثمرون آسيويون، إلى جانب شركات صناعية تركية، في مؤشر واضح على تحول موازين التأثير الاقتصادي.
الرسالة التي تسعى تركيا إلى ترسيخها بسيطة لكنها عميقة: إعطاء الأولوية للاقتصاد الحقيقي، من صناعة وبنية تحتية، وتعزيز الشراكات بين دول الجنوب، بعيدًا عن هيمنة المضاربات المالية.
في العمق، يبدو أن أنقرة تعمل على إحياء فكرة “الطريق الثالث”، عبر منصة تجمع الدول غير المنحازة وتمنحها مساحة للتفاوض المباشر وتحديد أولوياتها بنفسها. هذا التوجه يلقى صدى لدى العديد من الدول التي تبحث عن بدائل أقل ارتباطًا بشروط المؤسسات المالية الدولية.
ولتحقيق هذا الهدف، سخّرت تركيا إمكانيات كبيرة، سواء من خلال تطوير البنية التحتية للمؤتمرات، أو عبر تحركات دبلوماسية نشطة، مدعومة بشبكة علاقات متنامية خاصة مع إفريقيا وآسيا، إضافة إلى دور الخطوط الجوية التركية كأداة لتعزيز الحضور الدولي.
وراء كل ذلك، تبرز رؤية جيوسياسية واضحة: تحويل تركيا إلى نقطة التقاء رئيسية بين القارات، ومركز جذب لرؤوس الأموال وصناع القرار، بما يعزز نفوذها السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية.
في ظل هذه التحولات، لم يعد دافوس اللاعب الوحيد في ساحة المنتديات العالمية. فمع صعود هذا “دافوس الجنوب”، قد نشهد تدريجيًا تشكل نظام دولي أكثر توازنًا، تتوزع فيه مراكز القرار بدل احتكارها.
وربما، مع مرور الوقت، يتحول هذا المشروع من مجرد بديل إلى أحد الأعمدة الأساسية في رسم ملامح النظام العالمي الجديد.


.jpg)















