لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد حدث جيوسياسي بعيد عن حدودنا، بل أصبحت مرآة تعكس بوضوح هشاشة التوازنات الاقتصادية في تونس. فما يجري هناك، في مضيق هرمز أو باب المندب، لا يتوقف عند حدود الإقليم، بل يمتد تأثيره مباشرة إلى جيوب التونسيين، إلى ميزانية الدولة، وإلى مستقبل النمو في البلاد.
إن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن الاقتصاد التونسي لم يعد قادراً على امتصاص الصدمات الخارجية كما في السابق. نحن أمام نموذج اقتصادي شديد الهشاشة، يعتمد بشكل مفرط على الخارج، سواء في الطاقة أو في التمويل أو حتى في توازناته الأساسية.
اقتصاد تحت رحمة النفط
تونس ليست فقط مستورداً للطاقة، بل هي رهينة لتقلبات أسعارها. كل ارتفاع في سعر البرميل يعني مباشرة اتساع عجز الميزانية، وتضخم نفقات الدعم، وضغطاً إضافياً على المالية العمومية.
في ظل سيناريو تصاعدي للأسعار، قد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى تمويل فجوة مالية أكبر، إما عبر التداين أو عبر اللجوء إلى التمويل النقدي، وكلا الخيارين يحمل في طياته مخاطر جسيمة، خاصة على مستوى التضخم واستقرار العملة.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: إلى متى سنبقى نواجه الأزمات بنفس الأدوات القديمة؟
التضخم… الضريبة غير المعلنة
الحرب في الشرق الأوسط لا ترفع فقط أسعار النفط، بل تشعل موجة تضخمية عالمية تنتقل مباشرة إلى تونس عبر ما يعرف بـ”التضخم المستورد”.
ارتفاع أسعار المواد الأولية، كلفة النقل، اضطراب سلاسل التوريد… كلها عوامل تترجم في النهاية إلى ارتفاع في الأسعار يدفع ثمنه المواطن.
والأخطر من ذلك، هو أن التضخم لم يعد ظرفياً، بل بدأ يتحول إلى ظاهرة هيكلية تغذيها التوقعات السلبية وسلوكيات المضاربة.
بعبارة أخرى، نحن أمام ضريبة غير معلنة يدفعها الجميع، دون استثناء.
عجز مزمن… ومخاطر متراكمة
الصدمة لا تتوقف عند الأسعار. ميزان المدفوعات، الذي يعاني أصلاً من عجز مزمن، مهدد بمزيد من التدهور.
ارتفاع فاتورة الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية للصادرات، واحتمال تذبذب العائدات السياحية… كلها عناصر تضغط على احتياطي العملة الصعبة.
وفي ظل ضعف تدفقات الاستثمار الخارجي، يصبح الاقتصاد التونسي أكثر عرضة للاختناق المالي.
نمو هش… واقتصاد بلا هوامش أمان
في مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن النمو مجرد توقع نظري. فالقطاعات الأساسية – الصناعة، السياحة، الفلاحة – كلها مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالظرف الدولي.
أي تباطؤ في أوروبا، أو أي اضطراب في سلاسل التوريد، ينعكس فوراً على الإنتاج والتشغيل.
نحن لا نتحدث فقط عن تباطؤ اقتصادي، بل عن خطر فقدان ديناميكية النمو بالكامل.
الرسالة واضحة… لكن هل نتحرك؟
هذه الأزمة، رغم خطورتها، تحمل في طياتها رسالة واضحة:
النموذج الاقتصادي التونسي بلغ حدوده.
لا يمكن الاستمرار في:
- اقتصاد قائم على الاستيراد والاستهلاك،
- طاقة تعتمد أساساً على الخارج،
- مالية عمومية مثقلة بالدعم غير الموجه،
- وإصلاحات مؤجلة باستمرار.
ما العمل؟ رؤية لا تحتمل التأجيل
إذا كانت الحرب قد كشفت الهشاشة، فإن الحل يجب أن يكون في بناء مناعة اقتصادية حقيقية، تقوم على:
- السيادة الطاقية
تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة لم يعد خياراً بيئياً، بل ضرورة سيادية.
- الأمن الغذائي
دعم الإنتاج المحلي وتقليص التبعية للواردات، خاصة في المواد الأساسية.
- إصلاح المالية العمومية
إعادة توجيه الدعم، ترشيد النفقات، وتوسيع القاعدة الجبائية.
- تنويع الشراكات الاقتصادية
الخروج من الاعتماد المفرط على شركاء تقليديين والانفتاح على أسواق جديدة.
- تحرير المبادرة والاستثمار
الإصلاحات لم تعد ترفاً سياسياً، بل شرطاً للبقاء الاقتصادي.
الخلاصة: الأزمة كفرصة أخيرة
التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأزمات الكبرى إما أن تكون لحظة انهيار… أو نقطة انطلاق.
بالنسبة لتونس، قد تكون هذه الحرب فرصة أخيرة لإعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي، قبل أن تتحول الهشاشة إلى أزمة دائمة.
السؤال لم يعد: ما هو تأثير الحرب علينا؟
بل أصبح: هل نحن مستعدون لتغيير أنفسنا قبل أن تفرض علينا التغييرات؟
بقلم: عبد اللطيف بن هدية


.jpg)















