“مقال مستوحى من دراسة للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات”
في خطوة وصفت بالجريئة، دخلت اللائحة عدد 9 لسنة 2025 حيز التنفيذ في تونس، محدثة هزة في الأوساط الاقتصادية وإعادة هيكلة عميقة لعلاقات العمل. هذا القانون الجديد، الذي يهدف إلى حماية العمال وتأطير التعاقد وخصوصاً التعاقد مع المقاولين (السوستراتانس)، لم يلقَ فقط ترحيباً، بل أثار أيضاً موجة من التساؤلات والتحديات التي كشف عنها استطلاع رأي أجراه المعهد العربي لرؤساء المؤسسات (IACE) على عينة من مدراء الموارد البشرية في مختلف القطاعات.
فكيف ينظر هؤلاء المسؤولون المباشرون عن تطبيق القانون إلى هذه التغييرات؟ وما هي المخاطر والفرص التي ترسمها هذه التشريعات الجديدة؟
قراءة في الأرقام: ثقة متزعزعة بسبب الغموض القانوني
كشف الاستطلاع أن حوالي 68% من مدراء الموارد البشرية يعتبرون أن القانون الجديد يكتنفه غموض قانوني كبير، خاصة فيما يتعلق باستخدام عقود العمل محددة المدة (CDD) واللجوء إلى المقاولين في الأنشطة الأساسية للشركة.
هذا الغموض لم يبقَ نظرياً، بل انعكس بشكل مباشر على القرارات اليومية. فقد لجأت العديد من الشركات إلى تأجيل خطط التوظيف، وإعادة تقييم شاملة للعقود القائمة، والحد من التعامل مع بعض مقدمي الخدمات تحسباً لأي مخالفات قانونية. القطاعات الأكثر تأثراً بهذه التغييرات كانت شركات الخدمات الهندسية (ESN)، وقطاع البناء والأشغال العامة (BTP)، والصناعات الغذائية، حيث تشكل العقود المرنة والمقاولين عصب عملها الأساسي.
يقول أحد مدراء الموارد البشرية المشاركين في الدراسة معبراً عن هذه الحيرة: “الغموض يكتنف عقود العمل محددة المدة وغير محددة المدة، ولا يوجد تشريع دقيق يخص العمل عن بعد؛ جميع المواد قابلة للتأويل…”.
تأثير مباشر على الوظائف والهيكل التنظيمي
لم يقتصر تأثير القانون على الجانب النظري، بل امتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الوظيفية داخل الشركات. فقد سجلت الشركات انخفاضاً في أعداد الموظفين في بعض القطاعات وصل إلى 15%، مع إعادة هيكلة واضحة للوظائف التي كانت تعتمد بشكل كبير على التعاقد الخارجي.
وقد توزعت الوظائف الأكثر تأثراً وفق الدراسة كالتالي:
-
أنشطة النظافة: تأثرت بنسبة 37%.
-
أنشطة الحراسة: سجلت أعلى نسبة تأثر بـ 40%.
-
عمال المناولة (الانتيريمير): تأثروا بنسبة 8%.
هذه الأرقام تؤكد أن الضغوط الجديدة تتركز في الوظائف المساعدة والخدماتية التي كانت تعتمد على مرونة التعاقد.
من التكلفة إلى الاستثمار: الصدمة المالية كحافز للتطوير
أشارت النتائج إلى وجود تكاليف إضافية تراوحت بين 5% و25% على الشركات، نتيجة الحاجة إلى تدقيق العقود، وتأمين الوضعيات القانونية للعمال، وزيادة الأعباء الإدارية. وقد وصلت هذه الزيادة في بعض الحالات إلى 35% في أنشطة مثل النظافة والحراسة.
ولكن، وبدلاً من الاستسلام لهذه التكاليف، استغل العديد من مدراء الموارد البشرية هذا التحدي لتحويله إلى فرصة. فقد أظهرت الدراسة أن الشركات بدأت تتجه نحو:
-
الرقمنة: حوالي 55% من الشركات بدأت باستخدام أدوات رقمية ولوحات قيادة لمتابعة العقود والعمال بشكل أكثر فعالية وأماناً.
-
التدريب: 40% من العمال المعنيين بعقود محددة المدة أو الوظائف المعاد هيكلتها استفادوا من برامج تدريبية لتحسين الإنتاجية وضمان الامتثال للقانون.
-
حوكمة الموارد البشرية: تم إنشاء وحدات متخصصة لمتابعة شؤون الموظفين وتوحيد إجراءات العمل.
توصيات لمستقبل العمل في تونس
لا تقتصر توصيات الدراسة على ضرورة التكيف فحسب، بل تدعو إلى تحول استراتيجي شامل يتضمن:
-
تأطير الحالات الخاصة: كالعمال المنتدبين لفترات طويلة أو ذوي المهام التقنية، ووضع ضوابط واضحة لتحويل عقود المناولة إلى عقود دائمة عند الاقتضاء.
-
تطوير آليات التقييم: إعادة النظر في فترات التجربة لتكون أكثر فعالية في تقييم الكفاءات قبل التوظيف النهائي.
-
مرونة في إدارة الغيابات: وضع آليات أكثر مرونة للتعامل مع حالات الغياب الطويلة أو ترك العمل، خاصة في المهن الحساسة.
-
تغيير الثقافة الداخلية: عبر أدلة عمل وتدريculos داخلية لتوحيد فهم القانون وتطبيقه.


.jpg)















