حنان العبيدي
في مداخلتها خلال الفعالية الختامية للبرنامج الإقليمي «من الابتكار إلى الإبداع»، المموّل من الاتحاد الأوروبي، قدّمت فيديلما أوشونيسي، رئيسة فريق التعاون الاقتصادي الإقليمي في المديرية العامة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا (DG MENA) بالمفوضية الأوروبية، عرضًا شاملاً لرؤية الاتحاد الأوروبي تجاه دعم منظومات الابتكار وريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مؤكدة أن التجربة المشتركة خلال السنوات الأربع الماضية، مع تركيز خاص على تونس كنموذج إقليمي، تمثل محطة مفصلية في مسار بناء اقتصاد إقليمي أكثر شمولًا واستدامة.
الابتكار كخيار استراتيجي لا كترف اقتصادي
استهلّت أوشونيسي كلمتها بالتأكيد على أن المؤسسات الاقتصادية لا يمكن أن تزدهر في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة داعمة تتكامل فيها التكنولوجيا والمعرفة والسياسات العمومية المحفزة وشبكات التعاون. وأوضحت أن الاقتصاد العالمي اليوم يتسم بدرجة عالية من الترابط والتنافسية، ما يجعل من الابتكار عنصرًا حاسمًا ليس فقط للنمو، بل للصمود والاستدامة.
وبيّنت أن الاتحاد الأوروبي يعتبر دعم الابتكار في دول الجوار الجنوبي خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، يندرج ضمن أولوياته الرامية إلى تعزيز اقتصادات شاملة تخلق فرص عمل، خاصة لفائدة الشباب والنساء. كما أشارت إلى أن هذا التوجه ينسجم مع أجندة الاتحاد من أجل المتوسط والميثاق الجديد من أجل المتوسط، اللذين يضعان التعاون الإقليمي والاندماج الاقتصادي في صلب الرؤية المشتركة.
تونس نموذج ملموس للنجاح
وأكدت أوشونيسي أن تونس لعبت دورًا محوريًا في البرنامج، إذ كانت منصة لتجارب إصلاحية وتشريعية ملهمة على مستوى المنطقة. فـ «قانون الشركات الناشئة» (Startup Act) في تونس مثّل نموذجًا لتشجيع ريادة الأعمال، وجعل من تونس نقطة انطلاق لتبادل التجارب بين الدول المشاركة الأخرى مثل لبنان والأردن وفلسطين.
وأوضحت أن هذا القانون لم يسهم فقط في تهيئة بيئة تشريعية ملائمة للشركات الناشئة، بل شكّل محفزًا للابتكار والتعليم والتمويل، حيث أتاح ربط رواد الأعمال بالمستثمرين الملائكة وشبكات التمويل، ما ساعد عدة شركات ناشئة على جمع تمويلات تجاوزت مليون يورو، وتوسيع أعمالها إلى أسواق خليجية وإقليمية.
«من الابتكار إلى الإبداع»: بناء منظومة متكاملة
أشارت أوشونيسي إلى أن البرنامج لم يكن مجرد دعم تقني أو تمويل محدود، بل مشروعًا هيكليًا استهدف بناء منظومة متكاملة للشركات الناشئة. وقالت: “المسألة ليست مجرد أفكار مبتكرة، بل إنشاء بيئة تمكّن هذه الأفكار من التحول إلى مؤسسات قادرة على النمو والتوسع.”
البرنامج عمل على عدة مستويات متوازية:
-
المستوى السياساتي والتشريعي: دعم الإصلاحات القانونية والتنظيمية، مثل قانون Startup Act، وتطوير توصيات الإصدار 2.0، وتنظيم الصرف.
-
المستوى المؤسسي: تمكين هياكل دعم الأعمال، وتعزيز قدراتها على التعلم المتبادل وتبادل أفضل الممارسات.
-
المستوى الاستثماري: تسهيل الربط بين الشركات الناشئة والمستثمرين الملائكة، وحشد التمويلات الملموسة للشركات الواعدة.
التبادل الإقليمي: قيمة مضافة حقيقية
أكدت أوشونيسي أن البعد الإقليمي شكّل قيمة مضافة كبيرة للبرنامج. فالتعلم المتبادل بين دول المنطقة أتاح الاستفادة من التجارب المختلفة، كما أن برامج مثل BridgeUp ساهمت في إقامة شراكات بين منظمات دعم الأعمال في الدول الشريكة، مما خلق بيئة تعاونية إقليمية محفزة للابتكار.
التحديات المستمرة
ورغم الإنجازات، شددت أوشونيسي على أن هناك تحديات لا تزال قائمة، مثل البيروقراطية، وصعوبة الوصول إلى رأس المال، وغياب تمثيل قوي لمنصات الشركات الناشئة وجمعيات رواد الأعمال، إضافة إلى الحاجة للدعم المنهجي ومطابقة أفضل مع المستثمرين لمساعدة الشركات على التوسع الفعلي.
شراكة بين القطاعين العام والخاص
واعتبرت أوشونيسي المشروع نموذجًا ناجحًا لتعاون القطاعين العام والخاص، قائلة: “من خلال جمع الحكومات والمستثمرين ومنظمات دعم الابتكار ورواد الأعمال، تم بناء منظومات أكثر قدرة على احتضان المبادرات الريادية.”
وأضافت أن الاتحاد الأوروبي يعمل كميسّر وداعم، عبر تعبئة الموارد، ونقل الخبرات، وتعزيز الترابط بين قدرات البحث والتطوير الأوروبية والطاقة الشبابية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لخلق دورة ابتكار متبادلة المنافع.
نظرة إلى المستقبل
في ختام كلمتها، شددت على أن نهاية البرنامج لا تعني نهاية المسار، بل تمثل محطة انتقالية نحو مرحلة جديدة من التعاون العميق. مؤكدة أن مستقبل المنطقة يعتمد على الابتكار المستمر، والتعاون الإقليمي، والاستثمار في الشباب الذين يجرؤون على تحويل الأفكار إلى مشاريع ذات أثر ملموس.
وأعربت أوشونيسي عن تقديرها لكافة الشركاء المنفذين، والمشاركين من الدول الأربع، معتبرة أن ما تحقق هو ثمرة عمل جماعي ورؤية مشتركة. واختتمت دعوتها للحضور لمواصلة البناء على النجاحات، وتحويل التجارب الفردية إلى ديناميكية إقليمية مستدامة، قادرة على خلق فرص عمل نوعية، وتعزيز الإدماج الاقتصادي، وترسيخ ثقافة الابتكار كخيار تنموي استراتيجي للمنطقة بأسرها.
بهذا الخطاب، قدمت فيديلما أوشونيسي إطارًا واضحًا لما يمكن اعتباره مرحلة جديدة في التعاون الأوروبي-المتوسطي في مجال ريادة الأعمال، مع إبراز تونس كنموذج رائد، مؤكدة أن الابتكار ليس مجرد أداة للنمو، بل ركيزة لمستقبل أكثر ازدهارًا وشمولًا في جنوب المتوسط.




















