من المحبط فعلًا أن تُسنّ قوانين أو تُعلن إجراءات كبرى، ثم تبقى حبرًا على ورق دون تطبيق أو تقييم فعلي لآثارها الاقتصادية والاجتماعية. فمنذ سنوات، صدرت في تونس عدة قوانين وأوامر لم تدخل حيّز التنفيذ، أو دخلت جزئيًا وبصورة باهتة. وآخر الأمثلة على ذلك بعض أحكام قانون المالية لسنة 2026، وخاصة الإجراء المتعلق بـ«FCR للجميع» أو ما يُروّج له بسيارة لكل عائلة، إضافة إلى مشروع الفوترة الإلكترونية. وضع يثير الاستغراب ويضعف الثقة في استقرار المنظومة القانونية وفي قدرة الدولة على فرض قراراتها.
في سنة 2024، شهدت البلاد مبادرة برلمانية غير مسبوقة تمثلت في المصادقة على قانون ينقّح بعض فصول المجلة التجارية، لا سيما الأحكام المتعلقة بالشيكات. هذا القانون أحدث تحوّلًا عميقًا في المعاملات الاقتصادية، وأعاد رسم التوازنات في عدة قطاعات.
ومن أبرز ما تضمّنه القانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ في 2 أوت 2024، التنقيح المتعلق بدور البنوك، وخاصة إدراج الفصل 412 ثالثًا بالمجلة التجارية. وينص هذا الفصل على إلزام البنوك بتخصيص ما لا يقل عن 8% من أرباح السنة المحاسبية السابقة لإحداث خطوط تمويل صغيرة تُمنح مجانًا، قصيرة الأجل لا تتجاوز سنتين، بشروط ميسّرة دون فوائد أو ضمانات. كما يفرض على البنوك استهلاك كامل الاعتمادات المخصّصة سنويًا، على أن يضبط أمر حكومي شروط وإجراءات الانتفاع بهذه التمويلات.
من الناحية النظرية، اعتُبر هذا الإجراء خطوة اجتماعية جريئة لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، في ظرف اقتصادي صعب تعاني فيه هذه الفئة من صعوبات النفاذ إلى التمويل. غير أن عديد المحللين وصفوه في المقابل بإجراء شعبوي، خاصة وأن القطاع البنكي لم يقع استشارته قبل إدراجه ضمن النص القانوني.
لكن الإشكال الأكبر لا يتمثل في الجدل النظري، بل في واقع التعطيل. فإلى حدّ اليوم، لم يصدر الأمر الحكومي الذي يحدد شروط ومعايير إسناد هذه القروض، وهو ما جعل الفصل 412 ثالثًا يبقى دون تطبيق فعلي.
وللتذكير، فقد حققت 17 مؤسسة بنكية سنة 2024 أرباحًا جملية بلغت 1.753,9 مليون دينار، وهو ما يعني نظريًا إمكانية تخصيص حوالي 140 مليون دينار كقروض دون فوائد أو ضمانات لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة. أما سنة 2025، وفي انتظار نشر النتائج المالية، فقد يكون المبلغ أعلى.
غير أن الإشكالية العميقة تكمن في طبيعة النشاط البنكي ذاته. فالأرباح تعود في الأصل إلى المساهمين الذين ينتظرون توزيعات أرباح. كما أن منح قروض دون فوائد أو ضمانات يتعارض مع منطق الوساطة المالية، حيث تعتمد البنوك على توظيف الأموال مقابل عائد، وهي بدورها تدفع فوائد على الودائع أو تتحمل كلفة تمويل.
وفي المقابل، يظل موقف البنك المركزي غير واضح إزاء هذا الملف، دون بيانات تفسيرية أو توجيهات تطبيقية. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام صراع صامت بين المشرّع والقطاع البنكي؟ هل الأمر مجرد تأخير إداري؟ أم أن لوبيات الضغط نجحت مرة أخرى في تعطيل إجراء أربك توازنات القطاع؟
في المحصلة، تبقى الإشكالية الأساسية أعمق من مجرد فصل قانوني. إنها مسألة تتعلق بمدى احترام الدولة لالتزاماتها التشريعية، وبمدى انسجام القوانين مع الواقع الاقتصادي. فالقانون الذي لا يُطبّق لا يحقق العدالة، بل يكرّس حالة من الضبابية قد تكون أخطر من غيابه.
















