في تصريح له ضمن بودكاست «للتأريخ»، من انتاج وتوزيع المعهد العربي للمؤسسات، قدّم السيد غازي الجريبي قراءة معمّقة لمسار نشأة منظومة المنافسة في تونس، مؤكّدًا أن فهم هذا المسار يقتضي العودة إلى التحولات الاقتصادية الكبرى التي عرفتها البلاد منذ ثمانينات القرن الماضي.
وأوضح الجريبي أن الحديث عن المنافسة لا يمكن فصله عن الأزمة الاقتصادية الحادة التي شهدتها تونس خلال الثمانينات، والتي دفعت صانعي القرار السياسي والاقتصادي آنذاك إلى مراجعة خيارات الاقتصاد الموجّه والتفكير الجدي في التوجّه نحو اقتصاد أكثر تحررًا. وبيّن أن هذا التحول لم يكن ممكنًا دون تهيئة المناخ المناسب، معتبرًا أن المنافسة، شأنها شأن الرياضة، لا يمكن أن تكون عادلة ما لم تنطلق بين أطراف متكافئة.
وأشار إلى أن إدخال المؤسسات الاقتصادية مباشرة في مناخ تنافسي دون تأهيل مسبق كان من شأنه أن يؤدي إلى الاحتكار وهيمنة القوي على الضعيف، وهو ما استوجب إطلاق سلسلة من الإصلاحات الهيكلية بداية من سنتي 1985 و1986، شملت تأهيل المؤسسات العمومية والخاصة وإجراء إصلاحات جوهرية في المنظومة الاقتصادية.
وأضاف أن هذه المرحلة التمهيدية أفضت، مع بداية التسعينات، إلى إحداث لجنة حماية المنافسة سنة 1991، وذلك في إطار توجه تونس التدريجي نحو الاندماج في الاقتصاد الحر العالمي. ولفت إلى أن اللجنة أُنشئت في البداية بصلاحيات محدودة، وكانت تابعة إداريًا لوزارة التجارة، ما جعلها خاضعة بطبيعتها لإشراف السلطة التنفيذية.
وبيّن الجريبي أن قانون المنافسة عرف منذ ذلك الحين مسارًا متدرجًا من التنقيحات، بما يعكس سعي المشرّع إلى مواكبة الواقع الاقتصادي. فقد تم أول تنقيح سنة 1993، ثم تنقيح ثانٍ سنة 1995، وهو ما أفضى إلى إحداث مجلس المنافسة في إطار أكثر استقلالية وتنظيمًا.
كما ربط الجريبي هذا التطور بالالتزامات الدولية التي انخرطت فيها تونس، خاصة مع توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. وذكّر بأن الفصل 52 من اتفاقية الشراكة الأورو-متوسطية ينص على ضرورة ملاءمة التشريعات الوطنية مع التشريع الأوروبي، وهو ما تؤكده أيضًا قواعد منظمة التجارة العالمية بالنسبة للدول المنخرطة فيها.
وختم بالقول إن هذه الالتزامات الدولية فرضت على تونس مواصلة الإصلاحات الهيكلية والتشريعية والترتيبية، بما في ذلك إحداث هيئة مختصة تُعنى بالفصل في النزاعات المتعلقة بالمنافسة، تكريسًا لمبدأ المنافسة الحرة والعادلة داخل الاقتصاد الوطني.
















