لدى سؤالنا عن الوضع الحالي لقطاع الألبان في تونس، كشف الخبير في السياسات الفلاحية فوزي الزياني عن حجم التدهور الذي يشهده القطاع، مؤكّدًا أنّ التراجع في قطيع الأبقار بلغ ما بين 30 و35%. وأوضح أنّ الأرقام الرسمية التي تقدّمها وزارة الفلاحة “غير دقيقة ومجانبة للصواب”، مشيرًا إلى أنّ نوّابًا في البرلمان لاحظوا ذلك أيضًا، واستشهد بمقارنة بين أعداد القطيع سنة 2000 والأرقام الحالية التي تظهر تراجعًا لافتًا.
“جوهر الأزمة هو سعر قبول الحليب“
وحول الأسباب، اعتبر الزياني أنّ الوزراء المتعاقبين بعد الثورة أهملوا معالجة جوهر المشكلة، وهو سعر قبول الحليب عند الفلاح. وأوضح أنّ الفلاح يتكبد خسائر مباشرة لأن تكلفة الإنتاج أعلى من سعر البيع، ما يدفعه أحيانًا لبيع أبقاره لدول مجاورة بحثًا عن خلاص مالي فردي. وأضاف: “الفلاح يبيع القطيع وينقذ نفسه وعائلته… اليوم الأرباح لا تغطي حتى الحدّ الأدنى من النفقات”.
وأشار إلى أنّ نسبة مغادرة صغار الفلاحين لمنظومة تربية الأبقار قد تتجاوز بكثير نسبة 20% المعلنة رسميًا، مرجحًا أن تكون بين 30 و35%، وهي نسبة وصفها بـ”الكارثية”.
الخطط الحكومية… وغياب التفاصيل
وعند سؤاله عن الخطط الحكومية لإصلاح القطاع، رأى الزياني أنّ إعلان وزير الفلاحة عن استعداد خطة إصلاحية جديدة “غامض وغير كافٍ”، وأنه كان يجب تقديم تفاصيل دقيقة للرأي العام خلال البرلمان، بما في ذلك خطط الإصلاح المؤسساتي، مثل:
- بعث الديوان الوطني للأعلاف
- إعادة النظر في تسعير المواد الأولية الموردة
- دعم تنمية الصادرات
- تحسين الوضع الصحي للقطيع وحماية الثروة الحيوانية
- تفعيل البرنامج الوطني لإعادة تكوين القطيع ضمن قانون مالية 2025
لكنّه نبّه إلى أنّ الحديث عن “المراحل النهائية” دون تحديد آجال واضحة يجعل الخطة مجرد إعلان نظري.
الديوان الوطني للأعلاف… بداية الإصلاح ولكن
وحول دور الديوان الوطني للأعلاف، أشاد الزياني بمساهمته في خفض الأسعار منذ دخوله السوق قبل نحو سنة، لكنه ذكر أنّ البداية الحقيقية للإصلاح كانت منذ سنة 2020 مع وزير التجارة الأسبق محمد المسليني، الذي نظم تسعيرة مدخلات الأعلاف عمليًا. وأضاف أنّ الفلاح ما يزال يبيع الحليب دون سعر الكلفة، وهو ما يفسّر الأزمة العميقة التي تهدد بإفراغ تونس من مربي الأبقار.
الدعم الحكومي… ومحدودية قدرة الدولة
وعند تناول إمكانية رفع سعر الحليب لتعويض الفلاح، أشار الزياني إلى أنّ الدولة اليوم تدعم قطاع الحليب بما بين 400 و500 مليون دينار، ولا تملك قدرة مالية على الترفيع أكثر، كما أنّ المستهلك التونسي لم يعد يتحمّل زيادات إضافية في الأسعار. لكنه شدّد على ضرورة إيجاد صيغة “لا يُجاع فيها الذئب ولا يشتكي الراعي”، مؤكدًا أنّ أي حلّ يجب أن يبدأ بإنصاف الفلاح، لأنه الحلقة الأكثر هشاشة.
جودة الحليب… ضحية الخسائر
وكشف الزياني أنّ جودة الحليب في تونس ليست عالية، والسبب أنّ الفلاح والمجمع يخسران، مما يدفع بعض المنتجين إلى ممارسات مثل تخفيف الحليب. وأوضح أنّ هذا الوضع معروف منذ أكثر من عشر سنوات ولم تتم معالجته جذريًا.
منظومة الألبان تحتاج إلى “ثورة“
ورأى الزياني أنّ إصلاح القطاع يجب أن يكون شاملًا، لأن الحليب مرتبط مباشرة بالجبن والزبدة واللحوم، وكلها مواد أساسية. وأضاف أنّ ديوان الأعلاف قدّم خطوة أولى، لكن تونس تحتاج إلى:
- تقوية الزراعات العلفية محليًا
- الحد تدريجيًا من توريد مدخلات الأعلاف المكلفة، خصوصًا الصوجا والقطاني
وكشف عن مشروع وطني كبير لاستعمال المياه المعالجة لري الزراعات العلفية، خاصة في الأراضي الدولية، ما قد يقلل فاتورة التوريد ويزيد القدرة الإنتاجية للقطاع.
الفلاح… بين السرقات وضعف التأمين ونقص الخدمات
وحول ظروف عمل الفلاح، بيّن الزياني أنّها صعبة للغاية، بسبب ارتفاع مخاطر السرقة خاصة لقطعان الماشية، وغياب خدمات بيطرية كافية ليلاً، ونقص منظومة التأمين الفلاحي وضعف تعويض الخسائر. وأضاف: “هلاك بقرة أو عجل يمكن أن يدمّر ميزانية الفلاح… وأحيانًا يخسر الملايين ولا يجد من يعوّضه”. ودعا إلى “ثورة في نظام التأمين الفلاحي” وتقديم خدمات لوجستية وبيطرية مباشرة للفلاحين، لأن طرق العمل التقليدية لم تعد مناسبة للواقع الحالي.
توريد اللحوم المبردة… حلّ غير فعّال
وعن برنامج وزارة التجارة لتوريد اللحوم المبردة، اعتبر أنّ الكميات المستوردة “هزيلة جدًا” ولا يمكن أن تؤثر فعليًا في السوق، مضيفًا أنّ الجزار الذي يبيع تلك اللحوم غالبًا ما يكون الوحيد في معتمديته. وانتقد تبعية تونس في مواردها الغذائية، متسائلًا: “كيف لبلد مثل تونس أن يبقى معتمدًا على التوريد في الحليب واللحم والقمح والشعير؟ العالم يعيش اضطرابات مناخية وجيوسياسية… يجب الوصول إلى 70 أو 80% من الاكتفاء الذاتي”.
إعادة تكوين القطيع… بالاعتماد على الجهد المحلي
وأوضح الزياني أنّ المختصين في الجينات الحيوانية يؤكدون إمكانية تحسين السلالات المحلية عبر العمل الميداني والبحث العلمي، دون الحاجة إلى توريد مكلف، مستشهداً بخبرة الباحث التونسي منور الجمالي. وذكر مثال الولايات المتحدة، حيث انخفض عدد الأبقار إلى 9 ملايين فقط، لكنها تنتج اليوم ضعف أو ثلاثة أضعاف إنتاجها السابق بفضل تحسين النجاعة والإنتاجية.
دعوة إلى التواضع وتثمين الكفاءات
وختم الزياني حديثه بالتأكيد على أنّ المسؤولين في وزارة الفلاحة يجب أن يتحلّوا بالتواضع ويستمعوا للخبراء المحليين، مشددًا على أنّ الحلول “تونسية وممكنة وبأقل التكاليف”، لكنها تتطلب إرادة سياسية، شفافية، وخطة زمنية واضحة ومعلنة للرأي العام والفلاحين.





