حنان العبيدي
صرّح كريم احراص، عضو الكنفدرالية التونسية للمؤسسات المواطنة (CONECT)، خلال مداخلة له في برنامج *L’Expert* على قناة تونسنا، بأنّ خطاب رئيسة الحكومة شكّل نقطة انطلاق جديدة ومبشّرة، معبّرًا عن تفاؤله الكبير بما تضمّنه من مضامين إيجابية، خصوصًا ما تعلّق بالمشاريع التنموية الكبرى في قطاعات النقل والصحة والبنية التحتية.
وأوضح احراص أن ما ميّز هذا الخطاب هو وضوحه ودقّته من حيث الأرقام والأهداف، مشيرًا إلى أنّ الشباب بحاجة إلى رؤية واضحة تحفّز الأمل وتؤكّد جدّية الدولة في تنفيذ وعودها. وقال في هذا السياق: “إنّ خطاب رئيسة الحكومة منحنا رؤية إيجابية للمستقبل، خصوصًا للشباب. فعندما تتحدّث عن تجهيز 33 قطار مترو وحافلات ومستشفيات في كل الجهات، فهذا أمر مشجّع، والأهم هو متابعة الإنجاز على أرض الواقع. فإذا كانت هناك انطلاقة فعلية في سنة 2026، فذلك سيكون خطوة تبعث على التفاؤل”.
وأضاف أن المطلوب اليوم لا يقتصر على الإعلان عن المشاريع، بل يستوجب وضع برنامج عملي واضح لتنفيذها، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة يجب أن ترتكز على الرقمنة والذكاء الاصطناعي بوصفهما الأساس لأي نموذج اقتصادي حديث ومستدام.
وأشار احراص إلى أن العالم يعيش اليوم تحولات عميقة في الاقتصاد الرقمي، قائلًا: “لقد تغيّر الاقتصاد منذ أكثر من اثني عشر عامًا، ونحن نعيش اليوم في عالم تتحكم فيه شركات مثل *Airbnb* و*Uber* ونماذج اقتصادية جديدة تقود الاقتصاد العالمي. لا يمكننا بناء المستقبل بالأساليب القديمة، بل يجب أن نبدأ التفكير الجاد منذ الآن، ونحن على مشارف سنة 2026، حول كيفية تنفيذ هذه المشاريع والتقدّم فيها”.
وبيّن أن الذكاء الاصطناعي أصبح محورًا رئيسيًا في التطور الاقتصادي العالمي، قائلًا: “نحن نعيش اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن أن نواصل العمل بنفس كراسات الشروط القديمة. يجب إعادة النظر في آليات إعداد المشاريع وصياغتها بما يتماشى مع التطورات التكنولوجية، وإلا سنظل نكرّر نفس الأخطاء ونحصل على نفس النتائج”.
ودعا احراص إلى إطلاق حوار وطني واسع يجمع الحكومة والقطاع الخاص وخبراء التكنولوجيا لوضع منوال اقتصادي جديد قائم على الابتكار، مؤكدًا أهمية الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة. وأضاف: “علينا أن نستلهم من التجارب العالمية، وأن ندرس ما حدث في تركيا والمغرب والصين وأوروبا لنتعلم منهم. اليوم، عندما نطلق مناقصات أو مشاريع وطنية، يجب أن تكون وفق مقاربة جديدة، لا وفق أساليب التسعينات التي تجاوزها الزمن”.
وأكّد أن تونس تمتلك كفاءات قادرة على تحقيق التحوّل الرقمي، غير أنها تحتاج إلى إطار مؤسساتي فعّال ومنسّق، موضحًا: “في عام 2014 تم إنشاء المجلس الأعلى للرقمنة تحت إشراف رئيس الحكومة، لكنه توقّف عن العمل سنة 2015. يجب إحياء هذا المجلس وتفعيله من جديد، لأنه كان يمثل فضاءً هامًا يجمع الوزراء والقطاع الخاص على طاولة واحدة لتبادل الآراء واتخاذ قرارات مشتركة”.
وأضاف موضحًا:”لقد عمل هذا المجلس في ذلك الوقت على ملفات محورية كالسياحة والصحة والنقل، وكان رئيس الحكومة يتفاعل مباشرة مع المقترحات، وظهرت نتائج ملموسة. واليوم يجب إعادة تفعيله وتطويره ليصبح *المجلس الأعلى للرقمنة والذكاء الاصطناعي”.
ورأى احراص أن دمج الذكاء الاصطناعي مع الرقمنة هو السبيل الأمثل لتحديث الإدارة وتحسين جودة الخدمات العمومية ومراقبة الأداء الاقتصادي في الوقت الحقيقي، مفسّرًا ذلك بقوله: “الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعمل دون البيانات، والبيانات تأتي من الرقمنة، لذلك يجب دمجهما معًا. حينها سنتمكن من معرفة الأسعار فورًا، ومتابعة حركة النقل، وإدارة موارد الدولة بشفافية وفعالية”.
وأشار إلى أن عملية الرقمنة في تونس مازالت بطيئة ومعطّلة بسبب غياب التنسيق والجرأة في التنفيذ، مضيفًا: “في بلدان أخرى، يمكن للسلطات أن تتبّع حركة السلع منذ خروجها من المصنع إلى وصولها إلى المستهلك، بينما نحن ما زلنا ننتظر الإحصائيات. يجب أن تكون لدينا أنظمة رقمية تمكّن الدولة من معرفة ما يجري لحظة بلحظة”.
وفي حديثه عن قطاع النقل، أوضح احراص أن الوضع الحالي يتطلّب حلولًا رقمية عاجلة، قائلاً: “ما شهدناه مؤخرًا من حوادث ومشكلات في خلاص التذاكر لم يعد مقبولًا. في العديد من الدول أصبحت كل العمليات مؤتمتة بالكاميرات والأنظمة الرقمية دون تعامل نقدي، وهو ما يجعل العملية أكثر أمانًا وشفافية”.
وشدّد عضو الكنفدرالية التونسية للمؤسسات المواطنة على أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي لم يعودا ترفًا تقنيًا، بل خيارًا استراتيجيًا لإنقاذ الاقتصاد الوطني، مضيفًا: “القطاع العام وحده لم يعد قادرًا على مواصلة العمل بالطرق التقليدية، كما أن القطاع الخاص لا يستطيع التقدّم بمفرده. المطلوب اليوم هو شراكة حقيقية بين الطرفين. وعندما نسمع أن الانطلاقة ستكون في 2026، نأمل أن تكون البداية بالتشاور وإعادة تفعيل المجلس الأعلى للرقمنة”.
وختم كريم احراص مداخلته بدعوة إلى بلورة رؤية تونسية خاصة تجمع بين الكفاءة والإبداع، قائلاً: “علينا أن نبتكر نموذجًا تونسيًا فريدًا يجمع بين القطاعين العام والخاص لتحقيق الأهداف المرجوّة. فالرقمنة والذكاء الاصطناعي هما اليوم المفتاح الحقيقي، ليس لمجرّد التطور التكنولوجي، بل لتطوير النقل والصحة والتعليم والاقتصاد الوطني بأسره. هذا هو الطريق الصحيح نحو تونس الحديثة”.





