جريدة الخبير

هناك تمش خاطئ للمفاوضات لعدم وجود خريطة طريق واضحة

السيد نجيب حشانة : سفير سابق

يعتبر تسريع المفاوضات في ما يخص مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل و المعمق مع الاتحاد الاوروبي أمر خطير لان مشروع هذه الاتفاقية يرجع تاريخيا الى تسلسل في الاتفاقيات مع الاتحاد الاوروبي بدءا باتفاقية التعاون سنة 1969 ثم تلتها اتفاقية الشراكة سنة 1995  و بعدها جاء منح تونس صفة الشريك المتميز سنة 2012  ثم جاء هذا المشروع كتكملة و هو ما أثار تخوف العديد بأن تكرس هذه الاتفاقية مبدأ التبادل الحر التجاري التجاري دون غيره و هو ما يمثل خطرا كبيرا فمن المفروض أن هذه الاتفاقية لابد من ان يكون التفاوض عنها بصفة ذكية و مهنية حذرة و بالمثابرة لأن الذي يلب منا مشروع اتفاقية   ALECA  ليست تونس و إنما المجلس الاوروبي فعلينا هنا ان نعلم و ان نتفاوض بشروط و الطالب عليه ان يتجاوب مع شروط المعني بالأمر في هذه الاتفاقية.
و هنا لابد من التساؤل هل ان هذا المشروع يمثل فرصةٌ حقيقية اقتصادية  لتونس أم يمثل مخاطرة؟ و هنا، من المفروض ان نعد استراتيجية واضحة و كنّا قد بينا سابقا ان الاستراتيجيا و الجيواستراتيجيا و الجيوبوليتيك عناصر مهمة جدا في تحقيق سياسةً و رؤية واضحةً و مع الأسف الشديد هذا لم يقع و الامر الأهم هنا تقييم و تدقيق التجربة السابقة الذي لم يقع أيضا اذ تم الإعلان عن أنه سيتم في جوان المقبل اخراج تدقيق حول تجربة 1995  و الامر المهم هنا اننا نتحدث عن سنة 2019 و ليس عام   1995 فعدد البلدان الأعضاء ليس نفسه و الثقل ايضا ليس نفسه و لذلك حتى الإنجازات  او الايجابيات التي تحقق ت سنة 1955 كانت نسبيةً نظرا لحجم الاتحاد الاوروبي في ذلك الوقت بحيث كان من المفروض ان يقع التدقيق و تقييم اتفاقية 1995 و حتى اتفاقية 1969 لإعداد رؤية و استراتيجيا للتفاوض و لكن لم يتم سوى اجتماعات تنسيقية بين الوزارات بحضور المجتمع المدني و القطاع الخاص و لكن ذلك غير كاف لأنه هناك معطى سياسي مهم جدا و هو الذي سيقدم المفاوضات الى الامام و سيساعدها و يرافقها لأنه هناك أشياء لا يمكن القيام بها على مستوى الخبراء او على المستوى الفني للوزارات فهناك أعلى السلطة أي رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة هو الذي يطلب خاصة ان تونس تجاوزت مرحلة حقوق الانسان و أصبحت دولة في مرحلة انتقالية ديمقراطيين تتقاسم مع الاتحاد الاوروبي القيم و المبادئ الديمقراطية و حقوق الانسان و الشفافية و الحكم الرشيد و لذلك كان لابد من السلطة العليا ان تقوم بمرافقة و معاضدة الجهود و خاصة احضار او إعداد رؤية و خطة استراتيجية للتفاوض مع الاتحاد الاوروبي لأن وضعنا ليس سليما وضعيف و نحن أمام كتلة و لذلك أنا أرى أنه هناك تمشي خاطئ نتيجة عدم وضع استراتيجية واضحة و خارطة طريق واضحة من قبل السياسيين تأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات و تكون خريطة الطريق الموجه للمفاوضين و الوزارات المعنية في إطار الإعداد لهذا.
و في هذا الإطار، اقترحنا في مركز الهادي نويرة للدراسات الاستراتيجية الاقتصادية و التنموية ” CIPED ” مجلس وطني للديبلوماسية الاقتصادية هي التي تضع الخريطة العامة و خريطة الطريق لترشيد و توجيه الفنيين في المفاوضات الاقتصادية مع الدول ثنائيا أو مع التجمعات الإقليمية او الدولية و لكن و للأسف هذا لم يتم.
و هنا لابد من الإشارة الى ان التفاوض بصفة عاملوهم علم و فن؛ على ينبع من الخبرة و فن في الأداء و هنا ليس على المفاوض ان يعرف الاتفاقيات فقط و إنما معرفة كيفية دعمها بالحجج و البراهين و للتفاوض هنا مع الاتحاد الاوروبي أو غيره لابد من  ان تكون لدى المفاوض حجج قوية و صامدة لخدمةً مصالح بلده لان السفير مفوض فوق العادة و في الحقيقة لابد ان تكون الآلة الديبلوماسية آلة ذات مصداقية و جدوى و قد كنّا اقترحنا في CIPED منوالا متكاملا بما فيه البيانات الشخصية للسفير لانه من غير المعقول ان تعين بنفس السيرة الذاتية سفيرا في موريتانيا و سفيرا في بروكسال فلا بد هنا من مبدأ الاختصاص و الكفاءة.
و في ما يخص التفاوض في عنصر التنقل، لابد من الإشارة الى ان العيب هنا من الاتحاد الاوروبي لانه أخذ هذه المسألة في نطاق الهجرة و ليس في نطاق التعامل الاقتصادي و هي اشكالية أخرى.
و بصفة عامة، اعتقد ان مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل و المعمق مع الاتحاد الاوروبي في حد ذاته مشروعا مهما لتونس في المستقبل و لكن في الظروف التي تمر بها تونس حاليا و عدم وضع استراتيجيا و رؤية واضحة و خريطة طريق واضحة و عدم مشاركة البرلمان بديبلوماسية موازيةً و تفعيل الديبلوماسية التونسية كمل فلابد من فترة تفكير ماليا في الموضوع و إرجاع المفاوضات الى وقت لاحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *