جريدة الخبير

23/01/2023
جريدة الخبير, أخبار الاقتصاد التونسي
31140935
lexpert.tn@gmail.com

قبل ابرام اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي : تحصين قطاع الفلاحة كي لا يلقى نفس مصير الصناعة

668_334_1404147146

إعداد: هاجر عزّوني

إنّ التنمية الاقتصادية للدول في القرن العشرين، لم تعد تقاس بالرأسمال المادّي والرأس المال الطبيعي فحسب بل بالرأس المال البشري الذي ما انفكت تتنامى أهمّيته في عملية النموّ مقارنة بعوامل الإنتاج الأخرى. والملاحظ أنّ الاقتصاد التونسي لا يزال اقتصاد يد عاملة غير مؤهّلة و يد عاملة متدنية المهارة ويد عاملة متوسطة وأنّ نسبة التأطير في هذا المجال لا تتجاوز 1.9 % بالرّغم من مخزون الكفاءات العليا والتدفقات العالية السنوية لخريجي الجامعات في الميدان الفلاحي والصيد البحري. ويحق لنا التساؤل عن أسباب ضعف مهارة وكفاءة مخرجات منظومة التكوين الفلاحي  لكسب ثقة المهنيين والتساؤل عن مدى تفاعل المهنيين مع إنتاج المعرفة؟ وهل عدم تلبية حاجياتهم هو السبب الرئيسي لهذا الضعف وبالتالي عدم القدرة على مواكبة ركب البلدان المتقدمة في القطاع الفلاحي؟

ويعتبر الاستقرار السياسي ووضوح الرؤى من شروط التنمية وتأهيل القطاع على المدى المتوسط والبعيد وكل إجراء فوري يجب أن يرتكز على بناء قدرات الموارد البشرية، وهو المفقود حاليا في برامج التنمية الفلاحية والصيد البحري في بلادنا.

ونظرا لذلك، خصوصا وأنّ تونس في طريقها لامضاء اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق مع الاتحاد الأوروبي في قطاع الفلاحة اللاّمتكافئ بين الطرفين، بادرت «الخبير» بطرح سؤالا عن كيفية تأهيل قطاع الفلاحة كي لا يتكرّر سيناريو ما تسبّب امضاء اتفاقية 1996 التي امضتها بلادنا مع الاتحاد الوروبي من تداعيات سلبية على النسيج الصناعي الذي سجّل تراجعا كارثيّا.

وكان جواب المسؤولين بوزارة الفلاحة وبعض الخبراء الفلاحيّين كالتالي:

الهادي بدر: رئيس مصلحة التفقد والمتابعة البيداغوجية بوزارة الفلاحة وعضو في المجلس الوطني للفلاحة والصيد البحري

الهادي بدر

«المنوال التنموي فاشل ومراجعته ضرورية»

إنّ أول الخطوات التي ارتآها النظام السابق للمحافظة على السلطة هو ترضية مآرب الغرب، فافتتح فترة حكمه بزج السياسة الاقتصادية في أتون الليبرالية المتوحشة من خلال فتح بوابة خصخصة القطاع العام الإنتاجي والخدماتي، والاتفاق على كسر كل الحواجز الجمركية أمام السلع والأفراد والأموال، فاتحا الفضاء الحياتي التونسي أمام النهب المباشر للثروات والاستغلال الفاحش لسواعد وعقول التونسيين.

بالاتفاقيات المبرمة مع الغات(1990) والمنظمة العالمية للتجارة(أفريل 1994) والاتحاد الأوروبي (جانفي1996)، اكتملت الأسس القانونية لتدجين السيادة الوطنية والدفع باقتصاد البلاد في دائرة الثقب الأسود: رأس المال والفاعلين من المؤسسات الاحتكارية بمساعدة بيادق محليين. كما استهل الرئيس السابق سياسته الداخلية باتخاذ تدابير استباقية بقمع الحريات العامة والفردية، والاستحواذ والهيمنة على منظومة السّلط القائمة (تنفيذية وتشريعية وقضائية وإعلامية)، وبإقصاء سياسي وتصفية جسدية لكل فرد»مارق»، وبابتزاز مالي ومعنوي لكل متأرجح وانتهازي، وباستدراج أو تلجيم مكونات المجتمع المدني على رأسها الاتحادات المهنية(اتحاد الصناعة والتجارة،اتحاد الفلاحين،اتحاد المرأة،اتحاد الشغل…).

لكن، كل الإجراءات الوقائية الأمنية والسياسية لم تمنع من انتشار فيروس الغضب والإنتفاض. فأغلب الفئات الاجتماعية التي عانت من الإقصاء والتهميش والقمع انتفضت بداية من 17 ديسمبر 2010 رافعة شعارات تختزل طموحاتها الآنية والمتوسطة المدى،شعارات من قبيل:»التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق» «شغل،حرية،كرامة،وطنية» و»الشعب يريد إسقاط النظام» إلى جانب بعض الشعارات القطاعية الخصوصية.

لئن اتفق كل الفرقاء على أنّ المنوال التنموي فاشل وعلى ضرورة مراجعته، لا أحد منهم قام بمبادرة في هذا الاتجاه. ومن المفارقات العجيبة والباعثة للأمل لا محالة، أنّ المبادرة في هذا الاتجاه جاءت من بعض الأشخاص والجمعيات المهتمة بالشأن العام. فبادر هؤلاء بتقديم بعض التصورات للقطع مع الماضي متمثلة في:

أ/منظومة جديدة للسّلط تراعي حق المواطن بالمساهمة في صياغة البرامج التنموية وحق المتابعة والمحاسبة والمقاضاة وسحب الثقة.

ب/مقاربة تنموية محورها الجهة، وذلك بالارتكاز على القواعد التالية:

– مبدأ أساسي يضمن سيادة الشعب على ثروات البلاد بطرق تكفل ديمومة الموارد المادية وغير المادية وتثمّنها، ومحافظة على البيئة من التلوث والتآكل، وحافزة للشغل والتشغيل.

– إحداث دستوري لمجالس محلية وجهوية منتخبة انتخابا حرا وسريا ومباشرا للأفراد، بعيدا عن محاصصة الأحزاب والكتل السياسية.

– صياغة تصور جديد لتفعيل التضامن الاجتماعي وآليات حسن التصرف في الجباية محليا وجهويّا ومركزيا.

– إعادة النظر في التقسيم الفضائي للبلاد يضمن إحداث حركية اقتصادية واجتماعية موجبة تقضي على أسباب التهميش الجهوي والقطاعي والفئوي.

– اعتماد المقاربة التشاركية المنظوماتية عند تطارح البدائل وما يتطلب ذلك من وفرة للمعلومات وتمكّن من الآليات البيداغوجية للتنشيط والبرمجة الجماعية.

– تحفيز رأس المال الوطني لدرء شبح المديونية وتثوير آليات التمويل البنكي لدفع عجلة الاقتصاد التضامني.

كيف تقع الترقيات و التسميات بوزارة الفلاحة، بل الجرح تعمق؟ الترقيات والتسميات المجانية هي التي صنعت جيلا من مسئولي الإدارة، يبدون لك كفاءات وإذا تعمقت في كيفية معالجتهم للإشكاليات الإدارية والفنية، تصدمك الحقيقة، فالقانون الحالي والمعمول به إلى الآن يمكن أصحاب الشهادات المتدنّية من إمرة من هم أحسن منهم شهادات علمية وخبرة مهنية، وكمثال يمكن لمتصرف أوتقني أو إطار دون باكالوريا الوصول إلى رتب عليا يرأس بها من هو في رتبة مهندس رئيس وهي الرتبة الوحيدة التي تحصلت عليها بالمناظرة رغم التكوين الجامعي الذي تحصلت عليه ما بعد شهادة مهندس و 34 سنة تجربة مهنية كمثل حالي، فالذين ترونهم متموقعين الآن تسلقوا الرتب والمواقع في مرحلة أولى بالوشاية لإظهار ولائهم والتغطية على الأخطاء والعورات والفساد العام منه والخاص، و في مرحلة ثانية يتم تقديمهم للسلطة الحزبية وكبار المسئولين على أنّهم كفاءات وطنية، تعشق العلم التونسي وستنتفع بهم البلاد وعند وصولهم المرحلة الأخيرة، تتلخص مسؤوليتهم في تطبيق أوامر أسيادهم والمحافظة على الحثالة البورجوازية والتخلص من الكفاءات والمحافظة على المستوى المتدني داخل الإدارة والضغط على الغيورين على مؤسساتهم وحرمانهم من حقوقهم في الترقيات والتسميات وإبعادهم من المشاركة في التسيير… و هم ما زالوا يرتعون ويعطلون.

ولمزيد التوضيح فمن أجل الاسراع في وضع الخطط و المشاريع و البرامج تبعا لما يحدث من إضاعة الوقت في تحرير التوجهات الاستراتجية للقطاع الفلاحي و الصيد البحري و التباطئ في وضع الخطط و المشاريع والبرامج الوطنية رغم العمل الجبار الذي تم تحت اشراف المجلس الوطني للفلاحة و الصيد البحري ،اردت ان ارفع الالتباس بتقديم تعريف الاستراتجية لعلها تفيد البعض الذين يتحكموا في مصيرنا بتموقعهم الاداري، «الاستراتيجية كلمة الاستراتيجية انجليزية الأصل والمنشأ

و(ستراتيجي) كلمة لاتينيّة وتعني بالعربية (السراط) أطلقت في البداية على أسلوب التحرك العسكري أثناء الحرب، فان الوصول إلى الهدف يتطلب أن تتضمن الخطة نقلات محددة ومحسوبة ووضع بدائل متعددة لكل نقلة ،بحيث يختار أفضلها من حيث الوصول إلى الهدف بنجاح تام وبأقل خسائر ممكنة ثم أصبحت الإستراتيجية تطلق على (التخطيط المتكامل)، أما التحركات التي تتم في إطاره فتسمى تكتيكا، وهكذا تطورت كلمة الإستراتيجية فأصبحت تعرف بأنها (علم براعة التخطيط) أو (علم براعة التدبير).

ونعني بالإستراتيجية أيضا ”الخطة“ أو ” الاتجاه“ أو ”منهج العمل“ الموضوع لتحقيق هدف ما، وهي ”الممر“ أو ”الجسر“ الذي يأخذنا من هنا الى هناك وهي النظرة المنظمة للعمل فهي ”الرؤية الشمولية“ وهي ”الطريقة الشاملة“ التي يتم اختيارها لتحقيق الأهداف على المدى البعيد, بحيث تشمل كل الاعتبارات الزمانية والمكانية، والمادية والبشرية، والحسابات الواقعية والمستقبلية وهي الاتجاه العام أو خط السير الذي تتخذه المنظمة وصولا إلى غايتها، وتأتي المفاضلة وفق المعايير فمنها الإمكانات والظروف المتاحة، والعوائق المحتملة، والكلفة، وسرعة الوصول إلى الغاية، والعوائد وقد تكون الإستراتيجية المفضلة مزيجا من عدد من الاستراتيجيات أو سلسلة متتابعة من عدد من الاستراتجيات. وتستند الإستراتيجية إلى أربعة مقومات أساسية تتكامل مع بعضها البعض، وأي خلل في أي واحد منها يؤثّر على البناء الاستراتيجي.

المقوم الاول:“ الفكر الاستراتيجي“: والذي تبلور فيه الاجابة عن التساؤلات الاستراتيجية الرئيسية التالية: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نصل؟) أي تحديد هويتها ومهمتها ومنهجها.

المقوم الثاني: ”التخطيط الاستراتيجي“: وهي عملية مستمرة تشمل دراسة الواقع وتشخيصه وتحليله، لمعرفة نقاط القوة ونقاط الضعف، والفرص المتاحة والمخاطر المحدقة، كما تنظر إلى العوامل البيئية المتغيرة الداخلية والخارجية، وتضع السيناريوهات والبدائل، وترسم المسارات الحرجة، وتتوقع البشائر والندر، ثم تحدد رؤيتها المستقبلية والمهمة والرسالة التي ستؤديها ثم تضع المراحل الإستراتيجية اللازمة للوصول إلى الأهداف الإستراتيجية ذات المدى البعيد.

المقوم الثالث :“الخطة الإستراتيجية“: وهي المنتج الذي تثمر عنه عملية التخطيط الاستراتيجي وفيها يتم تحديد الأهداف التفصيلية لكل مرحلة، والوسائل التفصيلية لكل هدف، والسياسات الحاكمة والضابطة، والإجراءات اللازمة للتنفيذ وجهات المتابعة، ووضع الإطار الزمني اللازم للتنفيذ، ومن ذلك ينبثق مجموعة من المشروعات والبرامج التنفيدية المحددة.

المقوم الرابع :”الإدارة الإستراتيجية“: وهو من أهم المقومات، إن الإدارة الإستراتيجية هي الإدارة التي تمتلك عقلا استراتيجيا تستطيع ان تستلهم دروس وتجارب الماضي، وتستوعب ظروف ومتغيرات الواقع، وتستشرف أفاق المستقبل الرحبة، وتنقل المنظمة من مرحلة إلى أخرى، وتحقق النتائج والأهداف بفاعلية عالية وبأقل الخسائر والجهود والتكاليف، وتستخدم الموارد البشرية والمادية والفنية المتاحة بأمثل ما يمكن. وهي الإدارة التي تستطيع أن تضع شبكة من النظم واللوائح متناهية الدقة: في المتابعة والتقويم والمحاسبة والمساءلة، وفي الاتصالات وتبادل المعلومات، وفي اتخاذ القرارات وإدارة الاجتماعات، وفي بث المعنويات والرضا التنظيمي بين الأفراد وفي بناء العلاقات الداخلية والخارجية وغيرها.

ومن اجل شراكة حقيقية مع الإدارة فإنّ الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري كمنظمة مهنية فلاحية لها انتشار على كامل تراب الجمهورية، وأصبحت بعد الثورة على مسافة من نظام الحكم ومن الأحزاب ولها تجربة لا يستهان بها في ميدان التنمية والإحاطة بالفلاحين والبحارة، فهي تجمع تحت مظلتها منتجي قطاع الفلاحة و الصيد البحري صغارا و كبارا والتعاضديات الفلاحية… فهي كعضو ناشط بالمجتمع المدني تساهم في ترسيخ الاختيارات الكبرى و أهم التوجهات التي تؤسس لدولة القانون و المؤسسات، فالاتحاد يمثل شريك اقتصادي واجتماعي مهم من حيث انخراط فلاحيه و بحارته بالنسيج الاقتصادي والاجتماعي ويجب دمجه كشريك فاعل وضروري للتنمية الفلاحية. بعد الثورة ظهور تنظيمات وجمعيات تعمل في إطار دعم القطاع الفلاحي والصيد البحري يمكن أن يكون داعما في تأطير الفلاحين والبحارة، إلا أنّه يجب الانخراط تحت برامج وطنية وجهوية نابعة من رؤى واضحة تمكن من حماية صغار البحارة والفلاحين في إطار شراكة حقيقية مع الإدارة كطرفين فاعلين في التنمية الفلاحية والصيد البحري، كما يمكن تشريك الأطراف الأخرى من جمعيات ونقابات ذات الصلة حتى تتحسن حوكمة القطاع.

إنّ السياسة الفلاحية لا معنى لها إلا إذا بوّبت الارشاد والتكوين الفلاحي في المراتب الأولى. لأنّ الارشاد الفلاحي هو كل نشاط يحمل في محتواه معارف للرقي التقني والاقتصادي والاجتماعي ويوضع في متناول جميع الفلاحين في وحدة جغرافية محددة أو موجه لفئة من الفلاحين لها نمط إنتاج متقارب لتطوير قدراتهم وبالتالي الرفع من دخلهم ومستوى عيشهم في إطار السياسة الفلاحية للدولة.

فمن الخطأ اختزال الإرشاد الفلاحي في « نشر التقنيات» للفلاحين، وهذا المفهوم يشير في الواقع إلى المرحلة البدائية من نشر التقدم الفلاحي فنشر التقنيات» للفلاحين هي المرحلة الأولي من الإرشاد الفلاحي وخلالها قنوات التواصل مع الفلاحين عادة ما تكون أنشطة جماهيرية كالومضات التلفزية والحصص الإذاعية والمعلقات والنشريات أو جماعية كالأيام الإعلامية والحصص التطبيقية والزيارات المنظمة.وانتشار التقنيات الحديثة في الوسط الفلاحي يرافقه تطور في علاقة الفلاح مع عناصر الإنتاج بمزرعته وكذلك مع محيطه.

ذكر «هنري مندراس» في كتابه «نهاية الفلاح التقليدي» سنة 1970 «أن الفلاحة العصرية تحتاج إلى مهارات متنوعة ومتجددة منها التقنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية ولا يمكن توارثها كما هو الحال بالنسبة للفلاحة التقليدية» وترشيد واستمرارية بناء قدرات الفلاحين يفرض تخطي المرحلة الأولي من الإرشاد الفلاحي.

وفي السنوات الأخيرة تم تسجيل عزوف الفلاحين عن المشاركة في الأنشطة الجماعية فشريحة كبيرة من الفلاحين في هذه المرحلة لا يمكن أن تكون راضية عن الإرشاد التقني و ترغب في الاستفادة من الإرشاد الذي يشمل ويدمج الميادين التقنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية لتحسين مردود مستغلاتهم وبالتالي الرفع من دخلهم ومستوى عيشهم.

و يمكن اختزال العلاقة بين الإرشاد والسياسات الفلاحية في موقفين متناقضين، فالموقف الأول ينظر للإرشاد الفلاحي على أنه آلية محورية للسياسة الفلاحية لتوجيه الإنتاج وتكثيفه لتلبية حاجيات السوق من المنتجات الفلاحية، أما الموقف الثاني فيعتبر أن قطاع الإرشاد يهم الفلاحين أولا وأخيرا لأنهم أصحاب القرار في مستغلاتهم والعارفين بحاجياتهم من المعارف والمعلومات.

فالإرشاد الفلاحي ليس بالضرورة « آلية «للسياسة الفلاحية» ولكنه يعتمد عليها،والسياسة الفلاحية لا معنى لها إلا إذا بوبت الإرشاد المراتب الأولي، وهذا يعني، إذا تم تصميمها وتنفيذها في اتجاه التقدم التقني والاقتصادي والاجتماعي للفلاحين مما يؤدي إلى تحسين دخلهم ومستوى عيشهم ولا في اتجاه البحث عن الرفع في الإنتاج والإنتاجية للمنتجات الفلاحية دون سواها.

الدول التي في طور النمو والمؤسسات الدولية التي تدعمها أصبحت متيقنة من وجوب وجود منظومة إرشادية تنموية حقيقية وهي ضرورية لتحقيق النمو ولتحقيق الرقي التقني والاجتماعي والاقتصادي للوسط الريفي، إذ المنظومات الإرشادية بالدول المتقدمة فقد بلغت حد الاستقرار إلا أن هذه المنظومات ما زالت في الدول التي في طور النمو و منها الدولة التونسية تبحث عن الاستقرار الهيكلي والوظيفي …

إنّ الإرشاد الفلاحي هو معصم من معاصم التنمية الفلاحية والاقتصادية ودعم الجهاز الوطني للإرشاد في الفلاحة والصيد البحري يجب أن يكون في إطار تصور مندمج لوكالة الإرشاد والتكوين الفلاحي ومؤسسة البحث والتعليم العالي الفلاحي ومؤسساتهم من مراكز ومعاهد ومحطات داخل الجهات وبتناغم مع المنظمات والمؤسسات والهياكل المهنية الوطنية والجهوية، اذ يشكل نشر التقنيات الفلاحية بين الفلاحين أحد آليات السياسات الفلاحية منذ الاستقلال والمحرك المحوري للإرشاد الفلاحي الذي ساهم في اندماج المستغلات بالأسواق المحلية والوطنية والعالمية. وعمل الفلاحون على تبني مستجدات العلوم والتقنيات الفلاحية باستمرارية وبنسق بطيء أحيانا. وهذه التغيرات التدريجية في الفلاحة أفضت إلى توسع في مساحات الأشجار المثمرة والمناطق السقوية واستعمال التقنيات الحديثة وفي انتشار أنماط إنتاج متنوعة شبه مكثفة ومكثفة….حيث مكنت هذه التحولات من الزيادة في الإنتاج الفلاحي دون تحقيق الأمن الغذائي.

إن من أهم أساليب دفع عجلة التنمية، تطوير التقنية الفلاحية الحديثة وملائمتها وتقييمها لكي يمكن تطبيقها، مما ينتج عنه ارتفاع دخل الفلاحين وانخفاض الأسعار للمنتجات الفلاحية للمستهلكين، وزيادة كفاءة الاقتصاد ونمو الاقتصاد الوطني. وبناءاً عليه أصبح تحديد التقنية الفلاحية الحديثة وتطويعها والتحقق من جدواها وتطبيق الفلاحين لها جزءاً هاماً من استراتيجيات التنمية الاقتصادية ويمكن أن تلعب إدارات الإرشاد الفلاحي دوراً جوهرياً في هذه العملية.

إنّ الارشاد الفلاحي بمفهومه الشامل يتطلب إعادة توزيع الأدوار بين الإدارة والمهنة إذ اثر انعقاد اجتماع يوم 29 جوان 2015 بمقر المنظمة الفلاحية حول «استراتيجية دمج جهاز الارشاد بجهاز التكوين» التي قدمها السيد توفيق الحرزلي عن وكالة الارشاد والتكوين الفلاحي. فاني احيى الحوار بين الادارة و المهنة واشير الى أن القطاع الفلاحي والصيد البحري كأكبر قطاع اقتصادي محدث للتشغيل من المفترض أن يعتمد كقاطرة حقيقية للاقتصاد التونسي، فهو القطاع المعصمي الذي يمثل مفتاح ومحور التنمية بالبلاد التونسية، تم التعامل معه في السنوات الأخيرة بصفة سطحية واستعمل فيها شعارات رنانة كمفردات التأهيل والجودة والتواصل والتراسل والتشاركية والبرامج العملية… لا علاقة لها بحقيقة وضع القطاع و بتطوره في وسطه الوطني و الإقليمي و العالمي، مما يدعو إلى وضع نقاط الاستفهام حول جدية الإجراءات والآليات التي تم تركيزها السنوات الأخيرة لتامين الغذاء للشعب.

أمام كثرة التعليقات والتجادل حول الاجراءات الترقيعية فاننا نذكر بانّ إسقاط الحوكمة الرّشيدة على المنوال الحالي للتنمية الفلاحية من خيارات هيكلية غير سليمة لا يحلّ معضلة التنمية والتشغيل والقضاء على البطالة ولا يؤمن حاجيات المجتمع، فالفرد يمثل القوة الناشطة في تثمين وتطوير القيمة المضافة، فتركيز منوال تنمية جديد مبني على أنقاض منوال قديم يُشترط عليه أن يكون مُنطلقُهُ تنمية الموارد والقدرات والتشغيل والعدالة الاجتماعية والإنصاف الجهوى وأدواته النّجاعة والفاعلية والتنافسية والاندماج القطاعي والجهوي وتحسين الانخراط النّوعي المدروس في العولمة لاستغلال الفرص التي تتيحها وتجنب السلبيات التي تفرزها، وهو ما نفتقده وطنيا وجهويا بالإدارة الفلاحية الحالية.

شريف قسطلي: رئيس الجمعية المتوسطية للتنمية

شريف قسطلي2

«إستراتيجيات للنهوض بالفلاحة والخروج من الأزمة»

إن المنوال التنموي الحالي تسبب في تفقير و تجويع الشعب التونسي و خاصة في المناطق الفلاحية فإن دخل الفلاحين ضعيف جدا فالإنتاج لا يتجاوز 20 ق/هك بالنسبة للحبوب و 2000 ل حليب في السنة للبقرة الواحدة بالمقارنة مع الجيران في البحر الأبيض المتوسط الذين ينتجون 80 قنطار/ هكتار و البقرة تنتج 12000 لتر في السنة .هذه الوضعية انجرت عنها اقتصاد متجمد، تداين كبيرو مواطنون يعيشون في خصاصة وهذا ناتج عن تراكمات منذ القديم كعدم التحكم في تقنيات الإنتاج، تدهور الطاقة الإنتاجية للبذور والماشية، تشتت الملكية، ارتفاع الكلفة دون ارتفاع الإنتاج وكذلك سياسة تحديد الأسعار إلى أدنى مستوياتها للمحافظة على الطاقة الشرائية لسكان المدينة والمنافسة الغير الشرعية بتوريد اللحوم والحبوب والحليب ومشتقاته المدعمة عند الإنتاج والتصدير من طرف للدول الغنية.

يجب إذا صياغة منهجيات و استراتجيات و ضبط أهداف بديلة للمنوال التنموي الحالي المتسبب في تفقير و تجويع الريف بسياسة المسكنات والإعانات المذلة…

إن المنوال الحالي هو منوال فاشل فهو عنصري كي لا أقول أمني أكثر منه تنموي هذا المنوال هدفه الرئيسي هو شد سكان الريف في الريف خشية ترييف المدن زعما أن الحقول ستفتقر إلى اليد العاملة أو خنق المدينة. هذه النظرية ضيقة تنطلق من بيروقراطية عقيمة و خطيرة جدا لأنها تحاصر الريف بين الأزمة والفخ ليحكم عليه بالفقر الأزلي.

لذلك يجب إرساء بنية اقتصادية ثابتة و قادرة على استيعاب الفائض الديموغرافي من عامة السكان وخريجي الجامعات من أصل المناطق الفلاحية.

يتحتم إذا إصلاحات تنظيمية وهيكلية لوزارة الفلاحة تهم منظومة الإرشاد الفلاحي، الإنتاج النباتي وتربية الماشية لتحديد المسؤوليات وتحسين الطاقة الإنتاجية للجهات.

والمقترح هو:

1- هيكلة عاجلة للقطاع:

أ- إحداث ديوان الإنتاج النباتي لما للدواوين من خصائص كالاستقلالية في التسيير والسرعة في الإنجاز وخصوصيات في المقاربة مع سكان المناطق الريفية وتجربة في التنشيط وديناميكية المجموعات، وهذا الديوان يجال له مشمولات ومعدات إدارة الإنتاج النباتي.

ب- إحالة مشمولات ومعدات إدارة الإنتاج الحيواني إلى ديوان تربية الماشية.

ت- دعم البحث العلمي.

ث- المحافظة على المخزون الجيني الوطني.

ج- إستراد حبوب وأغنام ذات إنتاج عال.

الحد من تشتت الملكية:-2

الحد من تشتت الملكية بتغيير صبغة الوكالة العقارية للفلاحة إلى مؤسسة مالية (بنك) علاوة على مهامها الحالية وكي تقوم بعمليات الضم على أحسن ما يرام وفي المناطق غير السقويّة يجب دعم الوكالة برصيد عقاري (أرض فلاحية) ورصيد مالي، مع استغلال نتائج الخارطة الفلاحية في ما يخصّ تحديد الحجم الأدنى لمستغل فلاحي كي يوفر عيش كريم حسب النشاط، المنطقة أو نوعية التربة … فالوكالة العقارية الفلاحية مدعوة للقيام بالمهام التالــــــية:

أ. بيع أراضي فلاحية إلى الفلاحين كي يصلون للحجم الأدنى الذي يوفر عيش محترم حسب النشاط أو المنطقة.

ب. التدخل لدى الورثاء للحد من تشتت الملكية مع إبقاء واحد أو اثنان حسب حجم الضيعة.

ت. الوكالة تقوم بدفع مستحقات بقية الورثة من الأموال التي رصدت إليها.

ث. الفلاحون يقومون بخلاص ما عليهم للوكالة حسب نصوص وضمانات التي في حيز الوكالة.

3- المديونية:

الحلول السابقة لمعالجة المديونية كانت فاشلة نتيجة الجور والاستبداد واستغلال الفئات الضعيفة فالجدولة هي عملية ابتزاز مقننة يقوم بها البنك الفلاحي لقبض فوائض تفوق أصل الدين لذا وجب مساعدة الفلاح لينهض ويكوّن رصيد مالي يخول له مواجهة تفتح الأسواق وتحديات المرحلة القادمة لأنّ المنافسة في المستقبل ستكون شرسة وبدون رحمة وذلك بتجميد الديون إلى أن يقع البت في:

أ – طرح الديون الأقل من عشرة ألاف دينار.

ب- خصم من أصل الدين كل ما دفع من فوائض و أقساط.

ت – جدولة الباقي دون فائض بعد طرح من أصل الدين كل ما دفع.

4- إحداث خطة خصوصية حسب المناطق المناخية:

إحداث خطة خصوصية حسب المناطق المناخية متمـــــــثلة :

أ- في المناطق الشبه رطبة والمناطق السقوية برنامج تثمين التساقطات المطرية وتجهيزات المائية للدولة يرتكز على تكثيف الزراعات مع رسم أهداف المردودية العالية وتوفير مستلزمات هذه المردودية العالية من بذور ذات طاقة إنتاجية عالية كثافة محترمة في البذر وتسميد محترم مواكب للمردود و كذلك المعالجة والوقاية من الأمراض الفطرية.

ب- في المناطق الشبه جافة إعداد برنامج يرتكز على الحبوب الثناوية (شعير، قصيبة) مع إدماج تربية الأغنام، التفكير كذلك في برنامج تطوير الغابة الوطنية بغراصة الزياتين يرتكز على المغارسة كما وقع ذلك في أول القرن الماضي عندما جمعية الأوقاف طورت في جهة صفاقس غابة الزياتين بعقود المغارسة. كذلك هذا البرنامج نستطيع أن نطبقه في الأراضي الوعرة في هذيل وخميرو مقعد بالشمال.

ت- في الجنوب برنامج تطوير الواحة الوطنية لأن التـمور قطاع واعد ولا ينافسنا فيه عمالقة مثل أوروبا أو أمريكا نظرا للخصوصيات المناخية التي تطلبها النخلة، وبالتالي الإسراع بتوسيع الواحة الوطنية ومدها بمياه الشمال وتطبيق عقود المغارسة في الأراضي الدولية لإدماج وتشريك المهنة في إحداث واحات جديدة و إحياء المناطق القاحلة.

ث- صياغة مرجع فني لكل منطقة مناخية يكون على ذمة مجامع التنمية الفلاحية كدليل فني ومنهجي يتضمن عدة مقاربات حسب رطوبة السنة (ممطرة جافة متوسطة) هذه المقاربات تغطي الجهة وتكون حزمة فنية يستأنس بها الفلاح عند القيام بأعماله.

5- ادخال زراعات جديدة واثراء نظام التداول الزراعي:

ادخال زراعة الصوجا في المناطق الشبه الرتبة والسقوية لما لها من قيمة غذائية وعلفية عالية (بروتيناتىوزلاليات) لتلعب دورا في التداول الزراعي وخلق توازن في المناطق السقوية بتوزيع الزراعات وإثراء العليقة العلفية الوطنية والتقليص من إستراد العلف والرفع في نسبة تغطية الميزان الغذائي.

6- تنشيط الشريط الحدودي:

تنشيط الشريط الحدودي الغربي لما له من منافع اقتصادية من حيث التبادل التجاري، فهو نافذة لتسويق فائض منتوجات الزراعات السقوية بالأخص الخضر وكذلك تثمين أنجع للمناطق السقوية واستغلال سوق قريبة مع إرساء آليات لا تخضع إلى مزاج العلاقات الثنائية لتكريس ديمومة هذا السوق.

ا 7- المنافسة غير الشريفة:

التصدي للمنافسة غير الشرعية

(Dumping )

بالحد من استيراد المواد الغذائية المدعمة من طرف البلدان الغنية. فهذه المنافسة تتسبب في تدمير منظومة الإنتاج المحلية علاوة على أنها تتسبب في مغالطة هياكل التخطيط حيث ترتكز على أنها أسعار السوق العالمي مع اعتبار منتوجنا غير منافس وبالتالي تتخذ توجهات سياسية من شأنها أن لا تتماشى مع مصلحة القطاعات الاقتصادية المنتجة.

8- تحسين دخل المواطن:

من حق التونسي أن يكون له دخل يماثل دخل الأوروبي ولا يحب أن يذل و يقهر التونسي بسياسة تزعم منافسة الأسواق الخارجية بسلع ذات تكلفة ضعيفة من جراء يد عاملة بخسة و وجور متدنية مفروضة من طرف المستثمر الخارجي بالطواتي مع البيروقراطية الحاكمة . يجب أن نتجاوز هذه المرحلة من الذل والتفرقة ليكون المنتوج التونسي له طاقة تنافسية حسب الجودة و النوعية. لذلك يجب تحسين دخل المواطن لدفع الاستهلاك و تثبيت الاستثمار المحلي حيث إن جل عناصر و مكونات المنتوجات المحلية مستوردة بأسعار السوق العالمية.

9- الاستثمار على الشيّاع:

السماح للمالكين على الشيّاع بقيام باستثمارات تخص التشجير أو البناءات أو الآبار… وذلك بوضع حد للحالة التي تعرقل الاستثمار على الشياع وذلك بقانون خاص بالعقارات الفلاحية ينص على : «كل استثمار بعقار فلاحي لا يضر بهذا العقار على مستوى الصبغة أو المسلك مع اعتبار نوعية التربة والموقع فعند القسمة هذا الاستثمار يخص به صاحبه في حدود منابه.

ا10- تضخم تشريعي:

جمع التراتيب والقوانين والمجلات التي تتعلق بالفلاحة في مجلة تسمى المجلة الريفية لأن التشريع بصفة عامة هو منظومة متناسقة من القواعد و القوانين وبالتالي تشتت هذه القواعد وتكاثر القوانين ينجر عنه تضخم تشريعي.

أسامة الخريجي: المدير العام للمعهد الوطني للزراعات الكبرى وعميد المهندسين

2أسامة الخريجي

«علينا اعتماد منوال تنمية جديد بوضع سياسة فلاحية جديدة وبلورة برنامج تأهيل للقطاع»

إنّ تأهيل قطاع الفلاحة في تونس يعتبر أمرا ضروريا قبل الشروع في تطبيق أي اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تشمل تحرير هذا القطاع، غير أنّ عملية التأهيل لن تكون ناجحة إلاّ إذا سبقتها خطوات تعتبر أساسية:

أولا: إقرار واعتماد منوال تنمية جديد يولي الفلاحة مكانة اساسية في الاقتصاد الوطني.

ثانيا: وضع سياسة فلاحية جديدة تهدف إلى ضمان الأمن الغذائي والتنمية المستدامة على ضوء المنوال التنموي الشامل تنبثق منها استراتيجيات قطاعية طموحة وواقعية.

ثالثا: بلورة برنامج تأهيل للقطاع يندرج ضمن السياسة الفلاحية والاستراتيجيات القطاعية ويرتكز على ثلاثة محاور أساسية:

المحور الأول: ما هو محمول على الدولة وفي إطار واجباتها:

– توفير الظروف المشجعة على الاستثمار في/ و ممارسة النشاط الفلاحي:

*على مستوى تهيئة البنية الأساسية الضرورية (تعبئة الموارد المائية، مقاومة التصحر، إحداث المناطق السقوية وتعهدها، تهيئة المسالك الفلاحية وتعهدها، المحافظة على التربة والحدّ من تدهور خصوبتها…).

*على مستوى سن التشريعات (استغلال الأراضي الاشتراكية وأراضي الدولة، مجلة الاستثمار…)

*على مستوى تحسين وتطوير تمويل القطاع الفلاحي من قبل البنوك حيث لا تتجاوز مساهمة البنوك حاليا في تمويل المشاريع الفلاحية الخاصة 15 بالمائة

* على مستوى إقرار الحوافز والتشجيعات وترشيد سياسة الدعم وتوجيهها مباشرة إلى الفلاح.

* على مستوى تقريب الخدمات الإدارية إلى الفلاح وتأهيل مسالك توزيع المستلزمات الفلاحية وترويج المنتجات.

*على على مستوى إصلاح وتطوير منظومة البحث العلمي والإرشاد الفلاحيين.

المحور الثاني: ما هو محمول على الفلاح أو واجبات الفلاح:

* السعي إلى التكتل في مجامع أو شركات تعاونية تيسر التزود بالمستلزمات وترويج المنتجات والاستفادة من عمليات الإرشاد.

* السعي نحو اكتساب المهارات والمعارف التي تمكنه من زيادة إنتاجه مع خفض كلفته.

المحور الثالث: واجب المواطني عموما:

* الأولوية لاستهلاك المنتجات التونسية

* الحد من التبذير وترشيد الاستهلاك (الخبز أساسا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *