جريدة الخبير

23/01/2023
جريدة الخبير, أخبار الاقتصاد التونسي
31140935
lexpert.tn@gmail.com

حوار مع الدكتور في العلوم الاقتصادية «آرام بالحاج»: التحولات العالمية… دافوس و الاقتصاد التونسي

Capture d’écran 2017-02-04 à 10.00.21

إنّ مشاركة رئيس الحكومة، يوسف الشاهد في أشغال المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس” يومي الثلاثاء والأربعاء 17 و18 جانفي الجاري كانت مناسبة سانحة حيث أجرى خلالها لقاءات عديدة جمعته برؤساء دول وحكومات ومديري مؤسسات كبرى ومسؤولين سياسيين وأبرز صناع القرار الاقتصادي والمالي على المستوى الدولي، وكانت مناسبة هامة للترويج لوجهة البلاد ولتطوير علاقات التعاون المشترك.

وبنفس المناسبة أكّدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، على مواصلة دعم الصندوق لتونس ومساندة خياراتها الإستراتيجية التي ستمكنها في المراحل القادمة من تحقيق التنمية المرجوة وتعافي المالية العمومية في مناخ اقتصادي تنافسي وعلى أن سنة 2017 ستكون بداية تعافي للاقتصاد التونسي، كما أكّدت على تعهد قطر التزامها بما تعهدت به خلال الندوة الدولية للاستثمار «تونس 2020» فضلا عن إعلان رئيس البنك الإفريقي للتنمية تركيز مقر مكتب شمال إفريقيا للبنك في تونس.

ونظرا لما يتضمّنه هذا الموضوع من أهمية كبرى على الاقتصاد التونسي أجرينا

الحوار التالي مع الدكتور في العلوم الاقتصادية السيد آرام بالحاج :

كيف ترى تونس والمتغيرات العالمية في ظلّ هذه المشاركة؟

تزامنت مشاركة الوفد الحكومي التونسي بقيادة رئيس الحكومة في منتدى دافوس مع تغيّرات جيوسياسية و اقتصادية عالمية مهمّة ولعلّ هذه التحولات تكون سببا في لفت انتباه قادة العالم أن ما تشهده تونس من ضعف في الاقتصاد ومخاطر متأتية من الإرهاب وهو ليس حكرا على بلادنا.

إن الظروف والمتغيرات العالمية وجب أن تدفع هذه الحكومة على تسويق فكرة أن المشاكل العالمية لا يمكن أن تحل إلاّ بحلول مشتركة، ومن هنا وجب التنسيق والتعاون لحلحلة الأزمة الليبية والخروج بأخف الأضرار من مشكلة عودة الإرهابيين من بؤر التوتر. أمّا بالنسبة للجانب الاقتصادي وجب على هذه الحكومة إعادة التفكير في دور الدولة في سياستها الحمائية وخاصة في تطويع الإتفاقيات (خاصة تلك التي تجمعنا بالشريك الأوروبي) لصالح الدولة التونسية.

ولعل انتخاب ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية وخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي وزحف التنين الصيني هي عوامل مهمّة يُمكن أن تكون لها تداعيات سلبيّة كما يُمكن أنْ تُستغلّ لصالحنا.

يمكن أن يؤدّي انتخاب ترامب إلى حركية جديدة لرؤوس الأموال والاستثمار المتأتية خاصة من البلدان الصاعدة وهي فرصة لتعزيز وجود هذه البلدان في تونس.

من جهة أخرى، إنّ خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي يمكن أن ينعكس سلبا على العملة الأوروبية الموحدة وتلك أيضا فرصة لتعزيز تواجد المنتجات التونسية في الأسواق الأوروبية. أما عن الزحف الصيني فيمكن استغلاله من خلال الترويج لتونس كمنصة إستراتيجية أو بوابة حيويّة نحو إفريقيا.

من الواضح أن كل هذه الفرضيات وهامش استغلالها مرتبطة أساسا بقدرة الحكومة على التحرك والتواصل مع بقية القادة والشركاء، في هذا الإطار وجب على الديبلوماسية الاقتصادية التونسية أن تلعب دورها كما يجب سواء في البحث عن أسواق جديدة أو تفعيل الوعود السابقة أو بناء علاقات اقتصادية جديدة.

ما تعليقاتك حول منتدى دافوس؟

للأسف الشديد، في الخمس سنوات الأخيرة، تزامن انعقاد منتدى دافوس مع تقهقر الاقتصاد التونسي، ولم تكن هذه السنة هي الاستثناء، فتونس خسرت حسب تقرير التنافس الأخير التابع لهذا المنتدى 3 مقاعد لتحتل بذلك المرتبة 95 من جملة 138 بلد. وإذا وقفنا على هذا التقرير نجد أن تونس تراجعت بصفة كبيرة في نجاعة سوق العمل والسوق المالية، كما أنّ المؤشرات سلبية في كلّ ما يخص الابتكار والأعمال والمناخ الماكرو اقتصادي. كما وقع التطرق إلى البيروقراطية واللّاإستقرار في السياسات ومشكلة الفساد والتشريعات (خاصة فيما يتعلق بالشغل وبسوق الصرف) ونوعية التعليم العالي، إلخ…

لكن وفي المقابل يأتي هذا المنتدى في حيّز زمني قريب نجحت فيه تونس بجلب انتباه ساسة العالم والفاعلين الاقتصاديين المحليين والأجانب عبر مؤتمر الاستثمار تونس 2020. فهل قامت الحكومة التونسية بالمجهودات اللازمة لتفعيل كل الوعود التي قدّمت في أواخر شهر نوفمبر المنقضي؟ باستثناء قطر وبيان رئيس البنك الإفريقي للتنمية لم نلمس تقدما ملحوظا في هذا المجال.

من جهة أخرى يمكن اعتبار أن الإصلاحات التي تم الانطلاق فيها والتشريعات التي سُنّت خلال سنة 2016 كانت فرصة سانحة للترويج إلى الميزات التفاضلية لتونس. فبالرغم من النقائص الفادحة التي تخللها قانون الاستثمار وقانون البنوك وقانون البنك المركزي ورغم التعثّر في تسريع نسق الإصلاحات في ميادين كالجباية والوظيفة العمومية، كان بالإمكان التركيز على نقاط القوة كالاستقرار السياسي والاجتماعي (الذي يبقى نسبي) والإجراءات التي سيتم اتخاذها في أجل قريب (قانون يتعلق بالإجراءات الاستثنائية للتسريع في انجاز المشاريع الكبرى)، فهل أن غياب الرؤية والاتفاق النهائي حول الخطة الخماسية كان السبب في ذلك؟

تجدر الإشارة إلى أن الوفد التونسي تطرق إلى العديد من المسائل الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، لكن أهم ما يمكن ملاحظته في هذا السياق هو مشاركة السيد رئيس الحكومة في ورشة عمل خاصة بمستقبل اقتصاديات العالم العربي حيث تحدّث عن الثورة الصناعية الرابعة ومشكل الإرهاب ونظام التعليم ومجالات التعاون والشراكة مع البلدان العربية. ومع الأسف كل ما قيل من طرف السيد رئيس الحكومة (على الأقل في المجال الاقتصادي) كان من قبيل  العموميات. فلم نسمع مثلا نقاشًا معمّقا حول آليات التعاون والشراكة التي تم إعدادها من طرف الحكومة لتفعيل مشروع المغرب الكبير أو على الأقل لإزالة القيود التي تعرقل حركة الأشخاص ورؤوس الأموال العربية ولم يقع التطرق أيضا بعمق إلى سبل تدعيم الاقتصاد الرقمي في تونس خاصة فيما يتعلق بمنظومة التكوين ومحتوى التشريعات وإمكانيات التمويل المتاحة…

هاته المسائل -في علاقة بالاقتصاد الرّقمي- مهمة للغاية ويمكن أن تعزز تموقع تونس في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، فبلادنا تشهد مثل باقي بلدان العالم تطورا لا يستهان به في الرقمنة، سواء تعلق هذا بالأعمال أو بالقطاع المالي والبنكي أو بالصحة أو بالتعليم.

تشهد تونس كذلك تطوّرا لافتا في عدد الشركات الناشئة ذات المحتوى التكنولوجي العالي ( (START UPلذلك كان بالإمكان التركيز على ميزات بلادنا في هذا المجال سواء كانت تشريعية أو جبائية أو مالية عوض الاقتصار على تقديم سطحي لإيجابيات الرقمنة وانعكاساتها على بلادنا.

حسب رأيك الاقتصاد التونسي إلى أين يتّجه؟

ما من شك أن سنة 2017 ستكون صعبة لعدة اعتبارات سواء كانت داخلية أو خارجية.

من أهم هذه الاعتبارات هي تأخر إصدار النصوص القانونية التي تلي قانون الاستثمار ونوعية العلاقة مع القيادة الجديدة للإتحاد العام التونسي للشغل ومدى واقعية قانون المالية لسنة 2017.

بالنسبة لتأخّر النصوص القانونية في مجال الاستثمار فسيعطل حتما نسق الاستثمارات، خاصة وأن الامتيازات الجبائية لم تُدْمج ضمن هذا القانون وأنّ الهيئة العليا للاستثمار لم تُنْشئ بعد. أمّا عن التعامل مع القيادة الجديدة للإتحاد فستشوبها حتما تجاذبات، خاصة وأنّ مَؤْسَسَة َالحوار الاجتماعي لم تُفَعَلْ بعد.

أمّا بالنسبة لواقعية قانون المالية، فستضطر الحكومة قطعا إلى صياغة قانون تكميلي خاصة وأن الفرضيات التي قدّمت هي فرضيات غير واقعيّة، فلا نسبة النمو المقدّرة بـ 2.5 % ولا نسبة سعر الصرف المحدّدة بـ 2.25 مقابل الدولار و لا سعر برميل برنت المحدّد بـ 50 دولار ستكون ممكنة سواء لأسباب داخلية (نسق الاستثمار والمناخ الاجتماعي والمخاطر الإرهابية …) أو خارجية) ارتفاع أسعار المواد الأولية العالمية والتغيير التدريجي في السياسة النقدية الأمريكية وتعثر نسبة نمو الشريك الأوروبي) زد على ذلك العوامل السياسية التي ستكون حاضرة بقوّة سواء فيما يخص الانتخابات في بعض البلدان الأوروبية أو تداعيات الانتخابات الأمريكية على المنطقة أو خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي ولكن وفي نفس الوقت، يمكن لنا -كما أشرنا- استغلال العديد من المتغيرات لصالحنا، فإمكانية إعادة النظر في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق بين تونس والاتحاد الأوروبي ALECA   الذي يجمعنا مع بلدان شمال حوض البحر الأبيض المتوسط أصبحت مطروحة، كما أن مجالات التنسيق مع الجيران المغاربيين والأفارقة أصبحت عديدة ومتعددة كما أنّ إعادة الاعتبار لدور الدولة ومجالات تدخلاتها أصبحت أيضا حتمية.

هذه المسألة الأخيرة أصبحت إستراتيجيّة، خاصة وأن ضعف الدولة كان سببا إضافيا في تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا، ففي ظل التطورات التي يشهدها العالم، الدولة مطالبة بدعم تدخلها في القطاعات غير التنافسية، خاصة منها ذات الطابع الاجتماعي.

إنّ الدولة مطالبة أيضا بتفعيل دورها الرقابي والتنظيمي لضمان مناخ تنافسي سليم كما أنها مطالبة أخيرًا بالقيام بالتعديلات اللازمة ضمن إستراتيجية متكاملة تمكّنها من إعادة النظر في الأدوار التي يُمكن القيام بها في شتّى المجالات وحسب نوعيّة القطاع.

من جهة أخرى، وجب التفكير في إعادة ترتيب البيت من الداخل كما ينبغي بدءا بطرح رؤية متوسطة المدى تحضي بقدر كاف من الدعم، مرورا بإعادة التفكير في صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية فعالة (خاصة السياسة النقدية) وصولا إلى بلورة تمشي إصلاحي يراعي الواقع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

كلّ هذا، لا يمكن له أن يكون إلا في إطار حوار اقتصادي واجتماعي شامل تلتف حوله كلّ القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذا الحوار يجب أن يدرس أمهات القضايا لتوضيح الرؤى ووضع البيانات الأولى للرؤية المستقبلية والإصلاحات الاقتصادية والتفاعلات الاجتماعية التي يجب أن تبرُز لإنقاذ الاقتصاد والسير قدما نحو منوال تنموي جديد يرسي مبادئ جديدة  ويحقّق الرفاه المرجو.

هاجر عزّوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *