جريدة الخبير

23/01/2023
جريدة الخبير, أخبار الاقتصاد التونسي
31140935
lexpert.tn@gmail.com

حوارمع رئيس الهيئة العليا للرقابة المالية و الادارية ،عماد الحزقي: إشكال كبير يتعلق بمآل تقارير محكمة المحاسبات

ولد عماد الحزقي سنة 1968 في تونس العاصمة، وهومتحصّل على شهادة الأستاذية في العلوم القانونية من كلية العلوم القانونية و السياسية و الاجتماعية بتونس، وعلى شهادة الدراسات المعمقة في القانون الدولي العام من كلية الحقوق بنانسي ( جامعة نانسي فرنسا ) وعلى شهادة الدراسات المعمقة في القانون العام من كلية الحقوق سوربون (جامعة باريس 1 )

عمل بين سنتي 1996 و 1998 مستشارًا للشؤون الخارجية بوزارة الشؤون الخارجية قبل أن يلتحق بالمحكمة الإدارية بتونس كمسشار مساعد ليتدرّج في مختلف الرّتب و الخطط الوظيفية ، حيث شغل خطة مندوب دولة سنة 2010 ثم خطة رئيس دائرة ابتدائية سنة 2011 فخطة مندوب دولة عام سنة 2016 الى غاية انتخابه في 17 جويلية 2017 كرئيسًا لهيئة النفاذ إلى المعلومة من قبل مجلس النواب، كما شغل أيضاً خطة رئيس لجنة إعادة النظر في قرارات التوظيف الإجباري بوزارة المالية لمدة 5 سنوات (2012 _ 2017) كما شغل منصب وزير الدفاع الوطني في حكومة الياس الفخفاخ في فيفري 2020 ثم رئيسًا للهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية منذ 17 ديسمبر 2020.

ماهو دور الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية؟

هياكل الرقابة في تونس تتولى مراقبة كيفية التصرّف و إدارة الشأن العام، منا نتحدث عن المراقبة الادارية، لا نتحدث عن المراقبة السياسية التي يمارسها البرلمان و المراقبة القضائية التي يمارسها القضاء.

المراقبة الادارية تتفرّع إلى قسمين: هياكل الرقابة الخارجية التي تساعد السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية على رقابة تنفيذ القوانين المالية و تقوم بهذا الدور محكمة المحاسبات و هي جزء من المؤسسة القضائية التي تتولى مراقبة التصرف في جملة من هياكل الدولة و المؤسسات و المنشآت العمومية. منظومة الرقابة داخل السلطة التنفيذية، نجد ضمن هذه المنظومة التفقديات الوزارية على مستوى جميع الوزارات و المؤسسات و المنشآت العمومية و الهيئات الرقابية المتخصصة ، الهيئة العامة لمراقبة المصاريف العمومية التي تختص في مراقبة شرعية النفقات العمومية ، هيئة مراقبي الدولة، الهيئة العليا للطلب العمومي المختصة في مجال الصفقات العمومية ، و هيئة مراقبي الدولة و ثلاثة هيئات رقابة عامة تمتد إلى مراقبة جميع هياكل الدولة و المؤسسات و المنشآت العمومية و هي: هيئة الرقابة العامة للمصاريف العمومية تتبع رئاسة الحكومة ، هيئة الرقابة العامة للمالية تتبع وزارة المالية ، و هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة تتبع لوزارة أملاك الدولة و الشؤون العقارية.

كل هذه الهيئات تقوم بمهمات رقابية في المؤسسات و المنشآت العمومية و في جميع هياكل الدولة، و تقوم الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية بدورها في متابعة التوصيات المضمنة في تقرير الهيئات الرقابية و التنسيق بين جميع الهيئات بما فيها محكمة المحاسبات لتنظيم و تأمين و تنسيق برامج التفقد مع ضبط برامج دورية للهياكل المذكورة. و برغم أن النص (القانون عدد 50 لسنة 1993 المؤرخ في 3 ماي 1993) منح الهيئة صلاحيات أخرى كالاستشارة في خصوص مشاريع النصوص سواءًا التشريعية أو الترتيبية في علاقة بالتصرف الاداري و المالي و غيره.. لكن هذا الدور مُهَمَّش نوعًا ما بتعمّد الحكومة عدم استشارة الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية.

 هل جميع الهيئات الرّقابية تقوم بنشر تقاريرها السنوية ؟

نحن الآن بصدد العمل على نشر تقارير الهيئات ، و قد اثثنا بتاريخ 29 جوان 2021 ندوتنا السنوية بـعنوان “الممارسات الجيّدة لنشر التقارير الرّقابية”

* أهمية التقرير الرقابي على صعيد مختلف السلطات و الفئات الإجتماعية

يُنشَرُ هذا التقرير الرقابي لتستفيد منه العديد من الفئات، كالسلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية، و أيضا وسائل الإعلام والمجتمع المدني و المتعاملون الاقتصاديون و الطلبة و الباعثين و المواطن في جميع تجلياته…

التقرير الرقابي مهم من ناحية قدرته على تقييم أداء الهياكل العمومية، و بالتالي تطويرها و تحسينها.

كما أصبحت هذه التقارير منطلقا لمشاريع قوانين جديدة، و مجالا لإصلاح القوانين الموضوعة سلفا.. و هي أيضا مرجع لمجلس النواب في كل ما يتعلق بدوره الرقابي، للكشف عن عدم التطبيق السليم للقوانين والتراتيب، ومساءلة كل مسؤول عن تجاوزاته.

ويمثل التقرير مصدرا معلوماتيا بالنسبة للصحافة و وسائل الإعلام، و باطلاع المواطن العادي على هذه التقارير، يصبح شريكا في حماية المال العام، و مراقبا لكل ما يحدث من تجاوزات، و لما لا منعها و تصحيحها…

و بالنسبة للمجتمع المدني تتيح له هذه التقارير رفع القضايا، في صورة حدوث تجاوزات خطيرة تستدعي ذلك..

من جهة أخرى تمكن هذه التقارير من تعرية الفساد وكشفه، ليتخذ المستثمر قراره بالإستثمار من عدمه، خاصة و أن التقرير الرقابي يكشف بطريقة واقعية و موثوقة مناخ الأعمال.

أما فيما يتعلق بالطلبة و الباحثين، فيستفيدون من التقرير من جهة كونه مصدرا ثمينا و متكاملا للمعلومات، لما فيه من بيانات و أرقام و إحصائيات و معطيات…

من الناحية القضائية يصبح التقرير مدعاة لتتبع كل المخالفين من قبل النيابة العمومية، عن طريق تأسيس ملف قضائي ثم رفع دعوى قضائية.. و الإنطلاق في البحث و التحريات للبت في بعض الملفات ذات الصبغة الجزائية.

كما تعتبر السلطة القضائية التقرير الرقابي في بعض الأحيان بحثا ابتدائيا أو تقرير خبير، و هو أيضا وسيلة لتسريع البت في بعض القضايا.

منذ سنة 2011 طالبت العديد من المنظمات و جمعيات المجتمع المدني و دائرة المحاسبات.. تكريس مبدأ الشفافية بنشر جميع التقارير الرّقابية للهيئات، و القانون الأساسي للنفاذ إلى المعلومة يجبر جميع الهيئات على نشر تقاريرها السنوية طبقًا للمعايير المهنية الدولية ، وبقيت الهيئات تنتظر تنظيم نشر التقارير الى 29 جوان 2020 زمن حكومة الياس الفخفاخ، و اخترنا هذا العنوان للندوة (الممارسات الجيّدة لنشر التقارير الرّقابية) لتوعية و و تحفيز جميع الهيئات خاصة التي لم تقم بنشر تقاريرها السنوية مرفقة بتوجيهات.. لغاية النشر بالضوابط و المعايير الدولية لتكريس مبدأ الشفافية.

 العديد يتساءل حول مآل تقرير محكمة المحاسبات و لعل تقريرها الأخير حول نتائج مراقبة تمويل الحملات الانتخابية التشريعية والرئاسية لسنة 2019 التي رصدت جرائم خطيرة

بصفة عامة، اشكال كبير يتعلق بتقارير محكمة المحاسبات خاصة في متابعة مآل التقارير و تلافي النقائص و هنا لا نلقي المسؤولية على الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية، لأن دورها يكون استشاري مع المتابعة و إبداء الرأي، هي مسؤولية السلطة التنفيذية و رئاسة الحكومة.

محكمة المحاسبات نشرت تقارير خاصة بتمويل الحملات الانتخابية في غاية من الخطورة و نتائجها سلبية على المشهد السياسي اليوم ، و محكمة المحاسبات اليوم هي هيئة قضائية و بوجود نصوص قانونية واضحة فيما يخص تجاوزات الأحزاب السياسية في تمويل حملاتها الانتخابية مع وجود هياكل تنفيذية أخرى، لا تنتظر تقريرا لمحكمة المحاسبات حتى تتحرك في تطبيق القانون، و أغلب الأحزاب السياسية بتونس لم تقدم تقارير حساباتها و تقاريرها السنوية و مصادر تمويلاتها رغم التنبيهات المتكررة التي من المفروض أن تحل جميعها و لن تجد بعد ذلك الى خمسة أو ستة أحزاب فقط تنشط اليوم في إطار القانون المنظم للأحزاب بالفصل 28 من المرسوم عدد 87 لسنة 2011.

✓ لماذا لا تتولى هذه الهيئات اعلام النيابة العمومية عند رصد جرائم خطيرة كالتلاعب بالصفقات العمومية و سوء التصرف في المال العام ؟

اولًا، يجب مراجعة العديد من صلاحيات  هذه الهيئات بما فيها الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية، بالنصوص الحالية ليس بامكان هذه الهيئات رفع قضايا مباشرة حتى في أخطاء التصرف أمام محكمة المحاسبات، يجب العودة إلى الوزير المشرف على هذه الهيئات، و بالتالي يصعب القيام بالتتبع لأن الوزير بدوره هو الذي يحيل إلى القضاء أو الى دائرة المحاسبات. و لذلك يجب مراجعة القوانين المتعلقة بالهيئات الرقابية مع إضافة العديد من الصلاحيات ، خاصة فيما يتعلق بتتبع ذوي الشبهة في سوء التصرف في المال العام، فعلى سبيل المثال.. الأخطاء التي تمثل شبهات فساد يقع احالتها مباشرة الى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي بدورها تحيلها إلى القضاء بعد التقصي و البحث عن طريق هيئات الرقابة و محكمة المحاسبات في غياب فريق للتقصي والبحث للهيئة المذكورة و الذي يعتبر أهم جهاز حسب نص القانون، رغم المجهودات المبذولة في احالة العديد من القضايا ، لكن ما يحصل في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد اليوم كارثة بأتم معنى الكلمة، عملية عزل رئيس الهيئة القاضي عماد بوخريص لأسباب مجهولة و بدون مبررات موضوعية تظرب من مصداقية و استقلالية الهيئة خاصة بعد الجدل الحاصل وراء التعيينات. برلمان لم ينتخب أعضاء الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة و مكافحة الفساد (قانون 2017) في تقاعس واضح للبرلمان، لتبقى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد تحت إشراف رئاسة الحكومة.

أليس من الأجدر أن تكون هذه الهيئة ( الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية ) مستقلة عن السلطة التشريعية و التنفيذية حتى رئاسة الجمهورية؟

الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية هيكليًا تتبع رئاسة الجمهورية، وظيفيًا تعمل في استقلالية تامة على مؤسسة قرطاج، رئيس الجمهورية لا يتدخل في عمل الهيئة و البرمجة و المتابعة ، بل بالعكس نحن الآن بصدد متابعة تقارير رقابية قامت بها رئاسة الجمهورية من أجل حسن تنفيذ توصيات التقرير الرقابي كما تتمتع الهيئة بالاستقلالية الضرورية لإنجاز مهامها دون أي ضغط أو تدخل أو تأثير، و يجب دعم جميع الهيئات الرّقابية و توفير المتطلبات اللازمة لتعزيز دور الرقابة داخل المؤسسات و المنشآت العمومية، و في جميع الحالات ليست في استقلالية تامة عن الجهاز التنفيذي لأنها جزء لا يتجزأ منه.

على مستوى السلطة التنفيذية ، و بما أن أغلب الصلاحيات مسندة إلى رئيس الحكومة ، لا أرى مانعًا أن تقوم رئاسة الجمهورية بدورها الرقابي في التصرّف و تقييم الاداء و تحديد المهمات حتى لا تحدث ازدواجية في المهام التي تبرمجها الهيئات الثلاثة.

 كلمة الختام

يجب أن نقر اليوم بالتراجع الكبير على مستوى التصرف العمومي بصفة عامة ، وهو راجع إلى العديد من الأسباب بداية من سلطة المسؤول في الدولة و هجرة الكفاءات إلى دول الخليج و الولايات المتحدة و كندا، كفاءات أحيلت على التقاعد و أخرى تعمل في القطاع الخاص مع وقف الانتدابات في القطاع العام و تضييق العمل على مستوى الإدارات العمومية و الهياكل و المؤسسات و ضعف سلطة المسؤول في ذات الوقت، و بالتالي دعم الهياكل الرّقابية اليوم أصبح ضروريًا لتجاوز كل هذه الاخلالات، الدعم يكون لوجستي مع توفير الحد الأدنى من من الاحتياجات البشرية المطلوبة، الاسراع بتحقيق الانتقال الرقمي للادارة لتقليل الأعمال المتراكمة باعتماد نموذج تشغيل جديد يتلاءم مع متطلبات الهياكل الرّقابية. يستوجب كذلك رؤية سياسية واضحة في غياب البرامج السياسية اليوم وسط خلافات بين أعضاء البرلمان و رئاسة الحكومة يزيد تعقيد الوضع بالبلاد، أيضاً الاستقرار السياسي مطلوب بعيدًا عن منطق الغنيمة و المحاصصة و تغليب مصلحة الوطن و تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *