عندما كنت شابا يافعا شغفت بالاستماع إلى خطب السيد أحمد بن صالح أيام كان وزيرا للتخطيط والمالية ثم وزيرا لخمس أو ست وزارات ضمن حكومات الزعيم الحبيب بورقيبة رحمه الله ، وقد اقترن اسمه بتجربة التعاضد التي عاشتها البلاد خلال الستينات من القرن الماضي.. التجربة فشلت أو بالأحرى وقع إفشالها وزجّ بالرجل في السحن ليكون كبش فداء لامتصاص الاحتقان الشعبي و حلحلة الوضع الاقتصادي.. وكم كنت أتمنى أن ألتقي به مباشرة وأحاوره ويحدّثني عن التجربة الاشتراكية في تونس وكيف تمّ إجهاضها…
هل أنتم حقا صحفيون أم…؟
تمر تونس حاليا بفترة انتقالية هامة وحساسة تتخللها مستجدات وتجاذبات سياسية كثيرة وحيرة في تحديد مستقبل البلاد بعد 14 جانفي 2011.. حول تفاعلات هذا الوضع السياسي غير الطبيعي بالنظر إلى خصوصية المرحلة، التقينا بالأستاذ أحمد بن صالح السياسي»المحنك».. كان لمجلة «الخبير» حوار الصراحة حول جوانب معينة من ماضي رجل دولة من الوزن الثقيل..
اتفقنا على موعد بعد أن تحصل زميلي سعيد نويرة على رقم هاتفه من صديقنا الحبيب الجمني المخرج التلفزي المعروف… كان الموعد الساعة الثالثة بعد الظهر أي في عزّ القيلولة، يعني أن سيادة الوزير السابق لا يعترف بالقيلولة حتى في هذه السنّ المتقدّمة، وكأنه لا يزال في «طنبكه» يتفقّد أشغالا ويقف على انجازات تنموية في قفصة صباحا، وفي حاجب العيون ظهرا، ويرأس اجتماعا في جندوبة قبل المغرب ويحضر حفل استقبال في الحادية عشرة مساء بالعاصمة…
وصلنا أنا وزميلي الصحفي سعيد نويرة إلى شارع فرنسا عدد 9 بضاحية رادس، وكان باب الحديقة مفتوحا وكذا باب»الفيراندة».. اتصلنا عن طريق الهاتف الجوّال ثم دخلنا فوجدنا السيد أحمد بن صالح جالسا على أريكة عتيقة ملفوفا في برنس أشخم وأمامه جوّاله وسيجاره «الكوبي» الذي لا يفارقه… وقف لتحيتنا قائلا بدعابة وزير كان يصول ويجول: « هل أنتم حقا صحفيون أم…؟ فابتسمنا مجاملة وجلسنا ثم بدأ الحوار.. استأذنا وشغلتا آلة التصوير الرقمية لتلتقط بعض الصور التذكارية التي كانت في أطرها مثبتة بجدران قاعة الاستقبال، فأذن لنا قائلا «الدار على ذمتكم صوّروا إلّي تحبوا»..
البعض يقول أن مؤامرة حيكت لأحمد بن صالح ليدخل السجن بسبب فشل تجربة التعاضد في العهد البورقيبي.. هل هذا صحيح؟.
بداية أقول أن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة كان يثق بي ويحبني كثيرا وقد ظلّ يحبني رغم كل ما حصل ورغم ما أسميته أنت بالمؤامرة. وعندما طلب مني الدخول إلى الحكومة ومسك ملف التخطيط قلت له أنا أعمل بما أومن به، ولنا برنامج أعددناه في الاتحاد العام التونسي للشغل سأتولى تطبيقه.. وأما التعاضد فقد قام به في الحقيقة المهندسون الفلاحيون ونجحوا في ذلك وتحققت في ذلك الوقت نتائج ملموسة في عديد القطاعات وقد قمنا إلى جانب ذلك بجمع 4 أو 5 شركات «تريسيتي» وجعلنا منها شركة «الستاغ» (الكهرباء والغاز) وجمعنا 4 أو 5 شركات تقاعد وأصبحت «صندوق الضمان الاجتماعي وكلّها مؤسسات كانت تحت تصرف الفرنسيين وأسسنا معمل للفولاذ في منزل بورقيبة والشركة التونسية للبترول وشركة للميكانيك في سوسة وغيره..
وماذا عن السياحة التي قيل أنها تطورت بشكل ملفت في ذلك الوقت ؟
بالنسبة للسياحة بدأنا من لا شيء وكان في نيتنا بناء نزل سياحية بتمويلات نسبتها من 80 إلى 95 بالمائة من الخارج.. إلاّ أن الهادي نويرة تدخل وقال للرئيس بورقيبة «تونس لا تتحمّل كل هذه النفقات» ويعني تكاليف النهضة السياحية الجديدة في وقت أحجم فيه أصحاب المال عن الاستثمار في هذا القطاع الحيوي. وقلت أنا لبورقيبة عندما سألني عن هذه الإشكالية « أعطني منزل بورقيبة ففيها محلات فارغة تركها الفرنسيون وسأريك كيف تصبح السياحة صناعة مصنّعة.. وبالفعل تطوّرت السياحة ونشطت الفلاحة وغيرها وتأسست التعاضديات. لكن هذا لم يرق لكبار القوم في ذلك الوقت إذ كان البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي أقدمت على تطبيقه يشكل خطرا على مصالح هؤلاء و من هنا كان ما أسميته أنت بالمؤامرة.. لكن الواقع أننا حافظنا على أراضي أبناء شعبنا خاصة في الشمال ودافعنا عنها الدفاع المستوجب وحميناها من أطماع كبار القوكم الذين وقفوا بشد’ في وجه التعاضد..
لما ذا هربت من السجن أيام حكم بورقيبة.. هل كنت خائفا؟..
أولا أنا لم أهرب من السجن ولم أكن خائفا من أحد، لكني حرّرت نفسي من بنسبة وصلت حكم ظالم صدر في شأني عن محكمة عليا تشكلت للغرض والتأمت بداية من 19 ماي 1969.. في السجن كنت أحيا في نعيم وأعامل معاملة حسنة ناهيك أني صرت أخرج ليلا للسهر في تونس، وأحيانا يوصلني الأعوان المكلفون بحراستي إلى منزلي.. بقيت هكذا في السجن 3 سنوات تقريبا وكنت أقضي أوقاتي في المطالعة، حتى أني أعددت رسالة دكتوراه دولة حول التجربة التونسية ونلتها وأنا بالسحن.. لقد حاول الكبار الانتقام مني ونقلي إلى سجن برج الرومي، لكن بعض الشرفاء في حكومة بورقيبة آنذاك أنكروا هذا الموقف وتصدوا له.. بعد ذلك سافرت متخفيا إلى الخارج، وعدت بعد 8 سنوات فوجدت الجو العام بالبلاد غير مريح، بل ثقيل ومرهق، بالنظر إلى عديد المشاكل التي عاشتها تونس. كان في تصوري- مع بداية حكم «بن علي»- أن تتحسن الأحوال خاصة بعد أن أذيع بيان «السابع بن نوفمبر» وكنت وقتها في الجزائر واتصل بي محمود حيدر وقرأ لي نص البيان، فاتضح أن جماعة بن علي أخذوا ذلك النص من بيان حركة الوحدة الشعبية التي أسسناها في الجزائر»، ومع ذلك لم تتحسن أحوال البلاد كما كنا نتوقع..
ماذا قال لك بن علي في أول لقاء معه بعد عودتك من منفاك الاضطراري؟
دعني قبل أن أجيب على هذا السؤال أروي لك حادثة وقعت لي في فرنسا بمناسبة حضوري حفل زواج أوروبي.. اتصل بي صحافيون فرنسيين وقالوا لي:» ألم تقرأ كتابا أعددناه لبن علي ذكر فيك أنك وصفته بالكلب»، قلت هذا الكلام غير صحيح بالمرّة، لكنني أذكر أن بن علي سمح لحراس أمنيين بمراقبة منزلي في ضاحية رادس بعد عودتي الأولى من بلاد المهجر، وكان هناك كلاب كثيرة سائبة تجوب شارع فرنسا ولا تتوقف عن النباح، فقلت لأحد أفراد عائلتي «ها الكلاب تنبح» ونقل علامي هذا إلى بن علي عن طريق الحراس الأمنيين على أني قلت بن علي كلب، والحقيقة أني لم أصف بن علي بالكلب مطلقا وليس ذلك من أخلاقي ولا من طبعي..
أجيبك الآن على السؤال، «تقابلت فعلا مع «بن علي»، وخاطبني قائلا:» أنت كنت أستاذي وقد تتلمذت على يديك لمدة سنتين في معهد سوسة.. ثم أضاف: حصل لي الشرف بأن رفعت عنك أكبر مظلمة سلطت عليك في عهد بورقيبة». مقابلتي لبن علي لم تدم طويلا، لكن فيما بعد تعرضت إلى مضايقات كثيرة وعنف معنوي كبير، مارسته علي السلطة، وهو ما جعلني أترك البلاد مجددا وأهاجر لكن في هذه المرّة إلى العراق..
كيف بدا لك المشهد السياسي والثقافي بعد عودتك الأولى من بلاد المهجر؟
لاحظت بعد عودتي الأولى من بلاد المهجر، أن الأمور بدأت تسير باتجاه «اللخبطة» والضياع، رغم أن تونس كانت مضرب الأمثال في سعيها إلى توحيد المغرب العربي الكبير وغيره من المبادرات.. ولاحظت أيضا أنه لم يعد هناك اهتمام لا بالتعليم ولا بالاقتصاد، وقد كثر الإهمال والحيف الاجتماعي والضيم والضغط على الحريات. لكن اليوم ظهرت علامات لبداية الاستقرار.. ويجب أن تجري الانتخابات القادمة في هدوء، وأن تنطلق الاختيارات الاقتصادية من تونس لفائدة أبنائنا في الخارج، ويعالج ملف المديونية بحكمة وتبصر وتشع الدولة التونسية من جديد على المغرب الكبير وأفريقيا، ويجب أن تصبح قارتنا هذه من أحسن القارات في العالم، كما أتمنى على السياسيين أن يلعبوا دورا مهما في الدفع إلى توحيد الصفوف، وان يتعاون الجميع على تحسين الأوضاع الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في البلاد. كما أرجو أن تعمل البرلمانات الأفريقية على تكوين قسم يهتم بالتعاون(مع الجيران وأعني أوروبا والبحر الأبيض المتوسط ومع الأجانب بصفة عامة)..
بماذا تنصح ساسة هذا البلد حتى يستعيد عافيته وينطلق من جديد في بناء غده الأفضل؟..
تعيش تونس بعد الثورة فترة انتقالية حرجة للغاية.. وما أتمناه هو أن «يلطف بيها ربي» من زخم الأحزاب السياسية الهائل- والعياذ بالله.. لأن العبرة ليست في كثرة الأحزاب، فالتحالفات واردة، والتجميع وارد وبالإمكان- حسب رأيي- أن يصير العدد 6 أو7 أحزاب فقط، تتعايش وفق نوايا طيبة وأهداف يقبل بها الجميع، وعلى هذه الأحزاب أن تسرع الخطى في توافق يبنى حقيقي يبنى على الاحترام المتبادل، لتحقيق نمط تنمية يجمع ولا يفرق، يراعي الأولويات ويعطي الحقوق لأصحابها.. وهذا في نظري هو المطلوب في الوقت الحالي..
هل صحيح أن بن علي حرمك من جراية تقاعدك؟
نعم، منع عني «بن علي» جراية التقاعد، بعد 8 سنوات من تاريخ عودتي الأولى إلى تونس، أي بعد أن اندمجت حركتنا مع حزب «التكتل» حاليا(حركة الديمقراطيين الاشتراكيين سابقا)، وبعد أن ساندنا وساعدنا مصطفى بن جعفر على تولي منصب في الخارج، وقد عشت ظروفا صعبة في فرنسا بسبب توقّف جراية تقاعدي، وفي باريس أقمت في شقة من نوع «ستيديو» صغير تابع للنمساويين، ثم اشتغلت لتأمين بعض المال كي أستمر في الحياة، وحتى عندما كنت وزيرا على رأس خمس (أو ست وزارات)، كنت أتقاضي جراية شهرية بـ 285 دينار وكان أخي الدكتور أمحمد بن صالح رحمه الله يدفع لي شهريا بعض المال بواسطة صك مصرفي، ليتحسن مستوى معيشي لأني كنت أعيش عيشة عادية جدّا، وللتذكير فإن أتباع بن علي بحثوا في جميع الدفاتر وسألوا عني البنوك التونسية والأجنبية ولم يجدوا عند بن صالح كان «قلبو»، وهذا الأمر جعلهم يراجعون حساباتهم ويعيدون لي أموال التقاعد المحجوزة.
هل صحيح أنك كنت أيام حكم بورقيبة على خلاف مع المرحوم الباهي الأدغم، وأنك رميته بمحبرة في إحدى الاجتماعات الوزارية؟..
هذا الكلام غير صحيح بالمرة، فقد كنت على اتصال بالسيد الباهي الأدغم رحمه الله عندما كنت ممثلا للاتحاد العام التونسي للشغل في بروكسال.. وحتى عندما كنت وزيرا للمالية وكان هو وزيرا للدفاع الوطني لم يحصل بيننا آي خلاف.. لكن صادف أن تدخلت شخصيا في ميزانية وزارة الدفاع، وقلت رأيي بخصوص الاتفاقية التي رغب بورقيبة في إجرائها مع الأمريكان بخصوص التجهيز العسكري.. قلت أمام بورقيبة والكولونال الأمريكي الذي حضر إلى تونس لإبرام الصفقة: «أنا لا أرى صوابا في أن نقترض المال للتعليم والاقتصاد ثم ننفقه في التجهيز العسكري.. وقد أيدني في ذلك الكولونال الأمريكي نفسه حيث قال لبورقيبة «بن صالح معه حق»، وقلت أيضا كان على الكولونال الأمريكي أن يتصل بي بوصفي وزيرا للمالية لأن الأمر يهمني كما يهم وزير الدفاع. ثم إن المرحوم الباهي الأدغم تصرف معي تصرفا غير لائق في اجتماع مجلس الوزراء بحضور الهادي نويرة، ولامني بحدّة عن تدخلي في ميزانية وزارة الدفاع وأعقب موقفه بكلام غير لائق، وقد تدخل الهادي خفشة رحمه الله للتهدئة..
حاوره ناجي الرمادي