جريدة الخبير

تأثير المنظومة القضائية على الشأن الاقتصادي: إصلاحات لابد منها من اجل قضاء دافع للتنمية

magistrats

إعداد نجوى السايح

تروي بعض كتب التاريخ أن رئيس الوزراء البريطاني ابان الحرب العالمية الثانية « ونستون تشرشل « سأل مستشاريه عن حال القضاء في بلاده بعد ان دمرت البنى التحتية لبريطانيا و وصل الاقتصاد الى الحضيض نتيجة الحرب, فأجابوه أنه بخير فقال مقولته الشهيرة « طالما أن القضاء و العدالة في البلاد بخير فكل البلاد بخير «.

و الملاحظ هنا أن دور القضاء لم يعد ينحصر في البت في النزاعات بين الأطراف فقط, بل أصبح يلعب دورا مهما على مستوى تحقيق التنمية  الشاملة و ترسيخ دولة القانون فالعالم منذ 1989 أصبح يتكلم لغة اقتصاد السوق و هيمنة عولمة الاقتصاد و لقد أصبحت العلاقة بين القضاء و الاقتصاد من الموضوعات التي تستأثر باهتمام مجموعة كبيرة من رجال الاقتصاد و القانون و غيرهم من متتبعي الشأن العام.

فماهي العلاقة التي تربط القضاء بالتنمية الاقتصادية؟ و كيف يمكن للمنظومة القضائية التأثير على الشأن الاقتصادي؟

Capture d’écran 2016-01-20 à 13.37.51

اعتبر رئيس نقابة القضاة السيد فيصل البوسليمي أن المنظومة القضائية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتنمية الاقتصادية فالدستور التونسي شرّع هذه العلاقة و فرضها بجعل القاضي حام للحقوق و الحريات و بالحديث عن الحقوق يمكن الحديث عن الأموال و العقارات و الشركات و الأصول  و أكد البوسليمي أن كل ما هو عقاري في تونس هو من أنظار القضاء من خلال المحكمة العقارية التي قامت بإخراج بعض العقارات من وضعيات مهمّشة و اعطائها دورها الحقيقي في الدورة الاقتصادية من خلال تسجيل الأحكام سواءا الاختياري أو الإجباري و بذلك أصبحت بعض العقارات قابلة للرهن و هو ما ساعد على جلب المداخيل لإنجازالمشاريع و بالتالي تشغيل العاطلين عن العمل و تحريك الدورة الاقتصادية.

و أضاف البوسليمي أن المنظومة القضائية تشكو اليوم من عدة نقائص سواء من حيث التنظيم العام أو الكتابات أو التجهيزات أو البنى التحتية لبعض المحاكم مشيرا الى أن عدد القضاة أصبح لا يتماشى مع حجم النزاعات المطروحة و التي ارتفع عددها في الآونة الأخيرة مؤكدا على أن ذلك لم يكن مصحوبا بانتدابات ضرورية سواء في الاطار القضائي أو في اطار الكتبة اضافة الى سوء توزيع القضاة و الكتبة على الدوائر القضائية و هو ما أدّى الى عدم القدرة على مجابهة كل القضايا المنشورة و عدم البت في النزاعات في آجالها المعقولة مما خلق نوعا من عدم الرضا سواء من المتقاضين أو المتداخلين عامة في الشأن القضائي.

و بيّن رئيس نقابة القضاة أن ظروف العمل الحالية للمنظومة القضائية قد تؤثر سلبا على التنمية الاقتصادية فاذا كانت المحكمة التجارية تأخذ من أربع الى ست سنوات للبت في قضية ما فأي مستثمر سيغامر باستثمار أمواله هنا, موضّحا أن طبيعة الفصل في النزاع التجاري محكوم عليه بالبطيء لأن الحكم باندثار شركة تجارية أو أصل تجاري ليس بالأمر الهيّن لذلك على القاضي التروّي في تجهيز ملف القضية كي يستطيع الفصل فيه لأن هنا تأثير مباشر على شأن شركة تقوم بتشغيل العديد و هو ما قد يساهم في عدم استقرار المعاملات الاقتصادية.

و دعا البوسليمي الى ضرورة معالجة مسألة تلخيص الأحكام التي تعتبر عملا ماديا شاقا جدا حتّى يمكن للقاضي العمل في ظروف مريحة تساعده على الاسراع في البت في النزاعات مؤكدا أنه من أولى مطالب النقابة لسلطة الاشراف احداث خطّة الكاتب المنشأ الذي سيوكل اليه الاعداد المادي لملف القضية و لن يبقى للقاضي من تلخيص سوى الاقتصار على الفرع المتعلق بباب المحكمة سواء الحيثيات القانونية لتعديل الأحكام أو تسويتها و هو ما يفضي الى نجاعة الأحكام و سرعتها فالمستثمر يشترط من أجل ضمان الأموال التي يستثمرها أن تكون تلك الأموال محميّة بجهاز قضائي كفء و فعّال.

Capture d’écran 2016-01-20 à 13.37.32

اعتبر الأستاذ الحبيب اليونسي عضو الهيئة الوطنية للمحامين بتونس أن تراجع الاستثمار ليس له علاقة بالإرهاب, فالإرهاب موجود في مختلف بلدان العالم و انما مرتبط بالربح فالمستثمر يبحث دائما عن الفعالية و السرعة و الأمن و الثقة في كون المعاملات التجارية ستنفّذ بوضوح و أنه في حالة و قوع نزاع بشأنها فان هناك آليات قانونية تضمن حماية حقوقه.

و أشار اليونسي الى أن المستثمر قبل القيام بأي مبادرة بشأن الاستثمار يبحث عن عدة معطيات أبرزها الضمانات القانونية و القضائية الممنوحة له و القوانين المنظّمة لقطاع الاستثمار و الامتيازات التي يمنحها القانون للمستثمرين من حيث الاعفاءات الضريبية و الديوانية أو رسوم التسجيل.

و هنا دعا الأستاذ الحبيب اليونسي الى ضرورة تنقيح بعض القوانين المتعلّقة بالاستثمار و ارجاع قانون 72 الذي كان له تأثير هام في جلب المستثمرين و دفع التنمية الاقتصادية اضافة الى تقديم بعض المحفّزات و التشجيعات كالتخفيض في الضرائب و في الضمان الاجتماعي و ضرورة الابتعاد عن الروتينية الادارية.

و أكد اليونسي أن دور المنظومة القضائية في دفع التنمية الاقتصادية يتمثل في خلق مناخ سليم يسوده الاطمئنان و الاستقرار و الذي من شأنه أن يشكّل دعامة قوية لعملية التنمية الاقتصادية و التشجيع على الاستثمار و حتى تقوم المنظومة بالدور الموكل لها لاسيما في التحفيز على الاستثمار و المساهمة في النشاطات الاقتصادية على القضاء ضمان أمن المستثمرين و صيانة حقوقهم اذ لا استثمار بدون ضمانات قضائية واضحة.

و أضاف اليونسي أنه على المنظومة القضائية استرجاع ثقة المستثمر فيها و ذلك من خلال توفير العدل و الأمن من خلال وجود الشفافية في الأحكام و الابتعاد عن الرشوة و خاصة الاسراع في فض النزاعات معتبرا أن المنظومة القضائية في تونس متطوّرة و ذات كفاءة عالية تقوم بتطبيق القانون وفق عملية التوازن بين طرفي النزاع فالقضاء يحمي المستثمر من تجاوز السلطة التنفيذية في حالة مراجعة الضرائب الجبائية مثلا و من ناحية أخرى تحمي الدولة اذا لم يحترم المستثمر القانون و تلزمه بأحكام باتّة فالقوانين موجودة و على المحاكم تطبيقها.

و استأثر السيّد الحبيب اليونسي بمقولة ابن خلدون» العدل أساس العمران « مبيّنا أن سعي المنظومة القضائية الى تحقيق العدالة و اعطاء كل ذي حق حقه هو أساسي و هام لتحقيق الاستقرار و بالتالي تحقيق التقدّم الاقتصادي في البلاد.

و أكد اليونسي أن القضاء هو ركيزة من ركائز الدولة لذا يجب اعادة الثقة فيه و عدم الارتكاز على سلبياته معتبرا أن لوسائل الاعلام دور هام في تحسين صورة المنظومة القضائية و ذلك بالابتعاد عن ابراز الجانب السلبي للقضاء و اظهار صورة تفاؤلية تساعد على استرجاع الثقة في القضاء و تساهم في خلق مناخ آمن يشجّع على بعث التنمية الاقتصادية.

Capture d’écran 2016-01-20 à 13.39.03

بيّن السيد الصادق يحي رئيس غرفة تونس لعدول التنفيذ أن المنظومة القضائية تتكون من عدّة أركان و ركن من أركانها المهمين يتمثل في عدالة التنفيذ اذ لا يمكن الحديث أو التسليم بالحق للمواطن اذا لم يتصل بذلك الحق فعلا, « فلا يمكن التكلّم بحق لا نفاذ له «. فالمحاكم تصدر يوميا آلاف الأحكام لكن مع الاسف تلك الأحكام تبقى حبرا على ورق.

و أكّد السيد الصادق يحي أن العدل المنفذ هو من يبدأ كل قضية أو دعوة و هو من ينهيها يبدأها بإجراء الاستدعاء أو المعاينة و ينهيها بتنفيذ الحكم الذي تصدره المحاكم. وهنا يأتي الدور الاقتصادي للعدل المنفذ بالمساهمة في الاستقرار الاقتصادي و تشجيع المستثمر الداخلي و الخارجي على الاستثمار في تونس « فالمستثمر بطبعه جبان « فاذالم يطمئن على أمواله و بصورة أخرى اذا لم يكن متأكدا من أن المنظومة القانونية الموجودة تساعده و تمكّنه من حقوقه فهو لا يغامر باستثمار أمواله.

و أضاف رئيس غرفة تونس لعدول التنفيذ أن أغلب معاملات المستثمرين تكون في شكل شيكات فاذا كانت المنظومة  القضائية لا تساعد على تنفيذ الأحكام و بالتالي على ارجاع الأموال للمستثمر فالمستثمر يكون منكمشا على حاله اذا كان تونسيا أو يختار وجهة أخرى اذا كان أجنبيا و اذا كانت المنظومة تساعد على ارجاع الحقوق لأصحابها في أيسر الآجال فالمستثمر يشعر بالأمان و يقوم بالاستثمار.

و أشار السيد الصادق يحي الى ضرورة تنقيح القانون المنظم لمهنة عدول التنفيذ لان قانون 95 أصبح عاجزا و مكبّلا لإيصال الحقوق فهو يحتوي على عدة فصول لا تساعد على التنفيذ اذ أن نسبة تنفيذ الأحكام الصادرة لا يتجاوز 10 بالمائة, داعيا الى وجوب الاسراع بالمصادقة على القانون الجديد المطروح على طاولة لجنة التشريع العام بمجلس النواب و الذي يحتوي على عدّة آليات ستساعد العدل المنفّذ في تنفيذ الأحكام في أسرع الأوقات و منها حق عدل التنفيذ في النفاذ للمعلومة و حقه في الاسترشاد لدى المؤسسات العمومية مع ضرورة توفير شركات مهنية لعدول التنفيذ تسهّل من تكوين مستمر للعدل المنفذ حتى يتمتع هذا الأخير بكفاءة مستمرة و معلومات محينه و جديدة.

و أوضح السيد الصادق يحي أن المنظومة القضائية الحالية  تستوجب بأكملها العديد من الاصلاحات في جميع مكوناتها لأن القوانين الموجودة أصبحت بالية لا تعين على العمل في جميع تمفصلاتها و خاصة في القوانين المنظمة لتلك المهن, ففي المجالات القانونية مثلا في مجلة المرافعات المدنية و التجارية يجب ادخال تنقيحات عليها و كذلك الشأن بالنسبة لمجلة الالتزامات و العقود و مجلّة الاجراءات الجزائية اذ أنه هناك العديد من القوانين التي أصبحت بالية و تجاوزتها الأحداث.

Capture d’écran 2016-01-20 à 13.38.36

بيّن السيد صالح الذهيبي الخبير العدلي لدى محكمة الاستئناف بتونس أن المنظومة القضائية هي هيكل مستقل عن السلطة التشريعية و التنفيذية و هذه الاستقلالية تتجسم في ضرورة وجود ضوابط تحمي المنظومة القضائية من الانحرافات و تجعلها تتخذ قراراتها بكل أريحية.

و أوضح أن الإشكال المطروح هنا يتمثل في أن استقلالية القضاء التامة و عدم انتهاجه لنفس التوجهات التي قد تنتهجها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية يمكن أن يؤدي إلى نوع من التصدع بين هذه السلطات، فصحيح أن هذه السلطات المستقلة عن بعضها البعض فيه ضمان تواصل و ديمومة الاستقرار لكن المحبذ أن تكون الأعمال تصب في اتجاه واحد يرمي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية و الرقي بالمواطن بصفة عامة كل ذلك في كنف احترام القانون.

و أكد السيد صالح الذهيبي أن استقلالية القضاء ليست غاية في حد ذاتها وتجسيمها يتعين توفير الإمكانيات اللازمة للسلطة القضائية و المتمثّلة في الإمكانيات البشرية و المادية و التشاريع التي تحميها من كل التدخلات.

فبالنسبة للإمكانيات البشرية فهي ترتكز بالأساس على السادة القضاة ومساعديهم، فالقاضي يجب ان يكون ذو كفاءة عالية و عليه عدم الاكتفاء بالتكوين القانوني الجامعي فقط و إنما من الضرورة بمكان أن يتواصل التكوين المستمر ومواكبة التطورات التشريعية العالمية والانفتاح على المحيط الخارجي، ففي الجانب الاقتصادي على القاضي الاهتمام بالمسائل التي تهم الجانب المالي وكذلك قوانين التجارة العالمية و الاقتصاد و المحاسبة و الشؤون الاجتماعية.

و بالنسبة للإمكانيات المادية أكد السيد الذهيبي على ضرورة توفير الأجر الكافي للقاضي و الذي يجعله في غنى عن الالتجاء إلى أي باب من الأبواب التي تضعف مكانته و ممارسة مهامه بعيدا عن الإغراءات المادية، اضافة الى ضرورة تحسين ظروف العمل بتوفير المكاتب و الأجهزة والأدوات اللازمة.

و بالنسبة للتشاريع أكد الخبير العدلي على ضرورة وجود رقابة داخلية تحمي القضاء من أي انزلاقات في اتجاهات سياسية او اجتماعية خاطئة مع ضرورة توفير قوانين متلائمة مع تطور الأحداث تساعد على الاستثمار و لا تكبل جهود رجل الاعمال باجراءات لا تشجعه على الاستثمار فالتحولات الاقتصادية التي يعرفها العالم و سرعة تحرك رؤوس الأموال تفرض على القضاء تحديد رؤيا مستقبلية تساير التطورات السريعة و البحث عن سبل جديدة لفض النزاعات تكون متسمة بالفاعلية و السرعة التي يتطلع اليها الفاعلون الاقتصاديون.

و أشار السيد صالح الذهيبي الى ان رجل الاعمال ليست لديه الحماية الكافية لدفعه لمواصلة أعماله خاصة في الأزمات الاقتصادية و هو ما يتطلب المساعدة اللازمة موضحا ان هناك عدة قوانين لمساعدة المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية تتطلب المراجعة والتحيين مؤكدا على ضرورة إفراز هذه المنظومة للهياكل قضائية مستقلة مع تحديد آجال لإنقاذ هذه المؤسسات مضيفا وجوبية التعامل مع رجل الأعمال بطريقة تشجعه على الاستثمار و إذا اخطأ تكون العقوبة مالية أكثر منها جسدية.

وفي علاقة المؤسسة بالقضاء، بيّن السيد الذهيبي أن مضمون الحالة التجارية للمؤسسة موكول للسلطة القضائية ذلك أن كل من يريد بعث مؤسسة يجب أن يمر بالقضاء عن طريق «السجل التجاري» في مرحلة أولى ثم أن هذا السجل التجاري يواكب المؤسسة منذ تكوينها إلى أن يقع تصفيتها مرورا بكل المراحل التي تهم سير نشاطها وبالتالي إذا كانت المنظومة القضائية ناجعة ومتطورة فإن ذلك سيساعد على ازدهار المؤسسة و إن كان غير ذلك فسيساهم في تعثرها وحتى اندثارها.

و بيّن أن عدم الملائمة بين الملفات المطروحة على القضاء والإمكانيات المتوفرة حاليا من القضاة و الهياكل التابعة لهم أدى إلى البطء في البت في النزاعات و بالتالي عدم إيصال الحق إلى أصحابه   في الآجال المحددة. و هنا دعا الخبير العدلي إلى ضرورة التكثيف من عدد القضاة و المحاكم من ناحية و إلى التشجيع على المصالحة و التحكيم من ناحية أخرى مؤكدا على ضرورة تفعيل التحكيم والآليات البديلة اللذان يعتبران وسائل هامة في فُض النزاعات المتعلقة بالأعمال و الاستثمار عموما و ذلك بالنظر لما يتميز به من فعالية و سرعة.

Capture d’écran 2016-01-20 à 13.39.19

بين الخبير الاقتصادي جمال الدين العويديدي ان العلاقة التي تربط المنظومة القضائية بالشأن الاقتصادي تعتبر من المؤشرات الأساسية التي يتم اعتمادها من طرف الشركات العالمية لاتخاذ قراراتها الاستثمارية في كل البلدان التي يتم تدارس فرص الاستثمار فيها، اذ غالبا ما تلجأ إلى مكاتب دراسات قانونية مختصة للاطلاع على مدى سير مرفق القضاء سواء على مستوى سن القوانين المطابقة للمعايير المتعامل بها عالميا أو على مدى مستوى الشفافية و النزاهة التي يتمتع بها سير القضاء.

وأضاف السيد جمال الدين العويديدي انه في إطار سياسة العولمة و انخراط بلادنا في المنظمة العالمية للتجارة،  قامت الحكومة التونسية بإصدار القانون عدد 106 لسنة 1998 المؤرخ في 18 ديسمبر 1998 و المتعلق بالإجراءات الوقائية عند التوريد. هذا القانون المتكون من 32 فصلا ينص في الفصل الثاني منه أنه «يقصد بالإجراءات الوقائية التدابير المتخذة لتجنب أو رفع ضرر خطير عن فرع إنتاج وطني من جراء الواردات المكثفة لمنتوج مماثل لمنتوجه أو منافس له بصفة مباشرة».

و أوضح الخبير الاقتصادي أن هذا القانون تمت صياغته بطريقة جعلت لوزارة التجارة الكلمة الفصل في إمكانية تطبيقه من عدمه حيث نص الفصل الرابع منه « يمكن  (و ليس يجب) فتح تحقيق (من طرف وزارة التجارة) لاتخاذ إجراء وقائي (في صيغة تحديد كميات التوريد أو الترفيع  في الأداء الجمركي) بعد تقديم مطلب إلى الوزير المكلف بالتجارة من طرف فرع الإنتاج أو بالنيابة عنه عن طريق المنظمات المهنية أو المنظمات المعنية الأخرى متضمنا لعناصر الإثبات حول الضرر الخطير الحاصل و التهديد بحصول ضرر خطير و العلاقة السببية بين الواردات المعنية و الضرر المدعي حصوله».

و أكد العويديدي ان هذا القانون الهام لم يتم تفعيله منذ إصداره في سنة 1998 إلى يومنا هذا شأنه شأن القانون عدد 99-9 المؤرخ في 13 فيفري 1999 و المتعلق أيضا بالتصدي للممارسات المخلة بالمنافسة عند التوريد، مما أدى مباشرة إلى غلق آلاف المؤسسات الصناعية الوطنية و فقدان مئات الآلاف من مواطن الشغل من جراء عمليات إغراق السوق و جميع أنواع الممارسات المخلة بقواعد المنافسة التي مارستها الشركات الأوروبيةللاستفراد بالسوق المحلية التونسية و ذلك رغم استصدار قرارات و أحكام قضائية من مجلس المنافسة و من المحكمة الإدارية التي تثبت حصول تلك الممارسات المخلة بقواعد المنافسة.

و اشار السيد جمال الدين العويديدي أن الخلل يكمن هنا في ثلاثة جوانب مهمة:

  أولا يجب على المنظومة القضائية أن تتعهد بمتابعة صياغة القوانين بطريقة تجعل من مسألة تطبيقها في صيغة الموجب و ليست في صيغة الممكن لأن هذه الأخيرة تفتح أبواب التلاعب بهذه القوانين و تعمق ظاهرة الفساد و المحسوبية في البلاد.

  ثانيا يجب على كل قانون خاص بالشأن الاقتصادي أن يحدد المسؤوليات في حالة عدم تطبيق القوانين و يعين التعويضات الناتجة عن ذلك خاصة و أن الأمر يتعلق بحماية المؤسسات و صيانة الأمن الاقتصادي الوطني.

– ثالثا يجب العمل على تعميق و نشر الاختصاص القضائي في الشأن الاقتصادي لما له من اختصاصات هامة و معقدة كما يجب اختصار الآجال في البت في القضايا الاقتصادية لما لعامل الوقت من أهمية قصوى يمكن أن تهدد نشاط المؤسسات، اذ  أن البت في القضايا الجبائية في بلادنا يصل أحيانا إلى أكثر من عشر سنوات وهي آجال لا يمكن تحملها من طرف المؤسسات و كذلك الشأن بالنسبة للقضايا الخاصة بالمنافسة و عمليات إغراق السوق التي علاوة على عدم تفعيل القانون عدد 106 و القانون عدد 99-9   يمكن للآجال الطويلة أن تلعب دورا سلبيا في جر المؤسسات إلى الإفلاس قبل أن يتم البت في أصل القضايا و من  هنا اوجب التفكير في سن إجراءات عاجلة لإيقاف الضرر.      

و استغرب الخبير العدلي من صمت منظمة الأعراف حول هذه المواضيع الهامة حيث لا يذكر لها أي موقف من شأنه أن يتقدم بمقترحات للتعجيل بالإصلاحات القانونية ذات البعد الاقتصادي حفاظا على الأمن  الاقتصادي، موضحا انه في غياب هذه المقترحات ذات الصبغة الوطنية نجد أن الاتحاد الأوروبي يسعى بكل قوة للضغط من أجل تعديل القوانين الحالية خدمة لمصالح مؤسساته و من ذلك على سبيل المثال لا الحصر سعيه لإلغاء قانون الصفقات العمومية الوطنية لتصبح صفاقات عمومية عالمية مفتوحة لمؤسساته التي تمتاز بحوافز و تأطير لا مجال لمقارنته مع  ما يجري في بلادنا. مما سيعمق ظاهرة الإفلاس و تعطيل نشاط المؤسسات الوطنية و يعمّق الهيمنة و التبعية للخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *