جريدة الخبير

23/01/2023
جريدة الخبير, أخبار الاقتصاد التونسي
31140935
lexpert.tn@gmail.com

بلا أقنعة بقلم عمر بوعيسي

 

النخبة السياسية في تونس : داوني بالتي كانت هي الداء

يبدو أن النخبة السياسية التونسية أمام فرصة نادرة لتثبت أنها في حجم اللحظة التاريخية و في حجم تضحيات الشعب التونسي . فما تعيشه البلاد اليوم من انسداد في الأفق السياسي ومن وضع أمني دقيق يفرض على الطبقة السياسية بمختلف ألوانها التحلي بالمسؤولية الوطنية و الابتعاد قدر الإمكان عن الحسابات الضيقة و المعارك الصغيرة التي كانت السبب الرئيسي في الأزمة الحالية. لا أحد يمكنه أن ينكر أن الصراعات الحزبية و التجاذبات الاديولوجية و الزعامات الفردية هي من خرج بالثورة عن مسارها الطبيعي و قذف بها في أتون التناحر السياسوي المقيت. فبعد  أن كان الفرز بين القوى المساندة للثورة و تلك المناهضة لها واضحا ابان 14 جانفي 2011 نشهد اليوم اختلاطا في جميع الأوراق و تغييرا دراماتيكيا في أهداف و آليات و أطراف الصراع .

على الطبقة السياسية التي يبدو و كأنها تتزاحم و تتسابق على تقديم الحلول و المقترحات لل”اسعاف” و “الانعاش” و “الانقاذ” أن تدرك أنها هي من أوصل البلاد الى هذا المنعطف الخطير ولا يمكنها أن تكون مؤهلة لتقديم الحلول الا اذا تخلت عن ممارساتها السابقة و قامت بمراجعة أساليبها في التعاطي مع الواقع و طرق التعامل مع الخصوم السياسيين على قاعدة البناء المشترك و التنافس النزيه في ما اختلف فيه.

عمليا تبدو مواقف الأحزاب متباينة إلى حد التنافر أحيانا من حيث تشخيص الوضع الحالي ومن ناحية المبادرات و الحلول المطروحة لتجاوزه. و لعل ذلك ما يترجمه الانقسام الذي فرض على الشعب فرضا في اعتصامي باردو بين من يدعو الى اسقاط كل المؤسسات المنبثقة عن انتخابات 23 أكتوبر دون أن يقدم بديلا عمليا يمكن من عبور هذه المرحلة الانتقالية و بين من يتشبث بشرعية انتخابية متعاميا عما شهدته البلاد من تطورات و أحداث قضمت من هذه الشرعية مقدارا ليس بالهين و جعلت اسنادها بشرعية توافقية أمرا لا مفر منه.

و بين هاذين الموقفين اللذان يقفان على طرفي نقيض تتجه الأمور نحو حل وسطي على اعتبار أن الصوت الأعلى الآن هو ذاك الذي ينادي بالابقاء على المؤسسة الشرعية الأولى في البلاد و هو المجلس التأسيسي مع إيجاد صيغة تحدد أجندة عمله مقابل تغيير الحكومة الحالية. و بما أن الشيطان يكمن دائما في التفاصيل فان المعركة  الآن هي حول شكل الحكومة الجديدة و تركيبتها. لذلك فانه ليس من اليسير تحقيق إجماع حول الحكومة الجديدة الا اذا تخلت بعض أطراف المعارضة عن أساليب الابتزاز السياسي و السلطة عن المماطلة و الطرق الملتوية و ربح الوقت.

 

لاشك أن الوضع الداخلي ليس منفصلا عما تشهده المنطقة من تغيير في استراتيجيات القوى الإقليمية و الدولية تجاه ما اصطلح عليه بالربيع العربي و مدى قابلية هذه الاستراتيجيات للتطبيق على أرض الواقع. من هذا المنطلق بات من الملح أن تحسن جميع الأطراف السياسية قراءة هذه المعطيات. فالسلطة كما المعارضة مدعوة لاستخلاص العبرة مما حدث في مصر. على الاغلبية التي أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر أن تدرك أن تفادي التأزيم يتطلب تنازلات قد تكون مؤلمة لانقاذ المسار الانتقالي. من جهة ثانية يتعين على المعارضة و خاصة تلك المطالبة بتغيير راديكالي على شاكلة ما عرفته مصر أن تعي أن الطريق ليس مفروشا بالورود و ما الأزمة الخانقة التي تعيشها مصر عقب عزل مرسي الا دليلا على ذلك.

هناك درس موجه الى كل السياسيين في تونس وهو أن الرهان على القوى الأجنبية لتحقيق مكاسب سياسية ظرفية هو رهان على جواد خاسر فمواقف الدول الكبرى محكومة دوما بمصالحها و لا تخضع تحالفاتها لأي قيم أو أخلاقيات و التجربة المصرية خير مثال. فلطالما عول مرسي و جماعته على الدعم الأمريكي وهو ما جعل بعض المحللين يذهب الى حد الحديث عن تحالف استراتيجي بين الاخوان المسلمين و الولايات المتحدة. لكن الجميع يعلم اليوم أن الحليف الأمريكي المزعوم قد ساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في اسقاط “حليفه” محمد مرسي و اليوم تبقى كل الاحتمالات واردة في التعامل مع الحليف الوليد  عبد الفتاح السيسي. فالمحرك الرئيسي لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة هو أمن إسرائيل و تأمين موارد النفط  و لأجل تحقيق ذلك لا يهم ان تم الاستغناء على مشروع الشرق الأوسط الجديد و العودة الى الشرق الأوسط القديم القائم على دعم الديكتاتوريات بقيادة السعودية والنظام العسكري في مصر مع ذر رماد السلام في عيون السلطة الفلسطينية حتى وان ظل غول الاستيطان يلتهم ما تبقى من أراضي.

يبقى اذا الرهان الحقيقي على وعي الطبقة السياسية بمقتضيات المرحلة وأولويات الصراع السياسي وبالمعطيات الاقليمية والدولية من أجل تخطي هذا الظرف الدقيق. على كل الساسة الذين قاموا بأخطاء قد تكون تقديرية في الفترة السابقة من المرحلة الانتقالية أن  يعوا أنهم اليوم أمام فرصة قد تكون الأخيرة من أجل انقاذ أنفسهم ومستقبلهم السياسي قبل أن يتكفل الشعب بانقاذ نفسه منهم وكنسهم عن بكرة أبيهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *