جريدة الخبير

23/01/2023
جريدة الخبير, أخبار الاقتصاد التونسي
31140935
lexpert.tn@gmail.com

الحكومة والصكوك الإسلامية وآراء المختصّين: المالية الإسلامية تجاوز الاستثمار بها 1000 مليون أورو في أوروبا

majles-640x411

متدخّلون قدّموا مفاهيم خاطئة عن التمويل الإسلامي

إعداد : هاجر العزوني

أكّد وزير المالية سليم شاكر أن الدولة في حاجة إلى تمويل بقيمة 6.6 مليار دينار لميزانية السنة القادمة، من بينها ملياري دينار ستكون متأتية من التمويل الداخلي كما جرت بها العادة.وأضاف شاكر، عقب الاستماع إليه في لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب، أن القيمة المتبقية أي 4.4 مليار دينار سيتم الحصول عليها باللجوء إلى الصكوك الإسلامية، وتسنيدها (أي تحويلها في شكل سندات) وبيعها، مع إمكانية استرجاعها بعد فترة معينة بالتنصيص على ذلك في العقد.

وكذلك الشأن بالنسبة للملعب الأولمبي برادس، الذي سيتم رهنه في شكل صكوك، مع إمكانية استرجاع الدولة لملكيته بفضل بنود تفصّل موعد إعادة شرائه وكلفة ذلك.وأشار شاكر إلى أنّ هذه الطريقة معتمدة في شتّى دول العالم بما فيها الدول غير الإسلامية مثل بريطانيا، وليست بدعة تونسية.

وعلى إثر ذلك، أكّد رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، قائلا أّنّ “اللجوء إلى آلية الصكوك الإسلامية في قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2016 فرضه الوضع الاقتصادي في البلاد”، مذكّرا أنّ هذه الآلية معتمدة في العديد من البلدان.كما أوضح في حوار أجرته معه قناة الحوار التونسي وبثت مساء الثلاثاء 17 نوفمبر 2015 من جزئه الثاني، إلى وجود سوء أو عدم فهم لدى الرأي العام بخصوص الصكوك الإسلامية، التي يتم التعامل بها استنادا إلى قانون تمت المصادقة عليه في المجلس الوطني التأسيسي سنة 2013.

ونظرا لأهمية هذا الموضوع الشائك ومتعدد الوجهات ونظرا للظروف الصعبة التي تمرّ بها بلادنا فإنّ ذلك يحملنا إلى التساؤل عن معنى كلمة التصكيك والصكوك الإسلامية وكيف لها أن توفّر التمويل للمؤسسات أو الدولة؟ كما أنّ هناك دول كبرى كبريطانيا وفرنسا اعتمدت الصكوك الإسلامية، فلماذا يرفضها التونسيّون والطبقة السياسية؟

وللإجابة على هذه التساؤلات توجّهت «الخبير» إلى بعض الخبراء والمحلّلين والمسؤولين للخوض في غمار هذا الموضوع المحيّر والشائك وهذا ما أفادونا به مشكورين:

محمد النوري (خبير مالي)

«الصكوك الإسلامية أداة تمويل مشروعات كبرى ويكون العائد مردود بمردودية المشروع»

ردا على السؤالين، وللحديث أولا عن مفهوم الصكوك والتصكيك فيمكن القول أنّ الصكوك الإسلامية هي بكل بساطة أداة تمويل مشروعات كبرى دون اللجوء إلى القروض بفائدة

وبعبارة أخرى هي تمثل حق ملكية في مشروع موجود أو موعود متكون من أصول عينية أو نقود أو منافع أو ديون أو خليط من ذلك ويكون العائد مربوط بمردودية المشروع سواء كانت في شكل ربح أو أجرة أو غير ذلك

وفي حال الخلطة يجب أن تكون نسبة الديون لا تتجاوز الثلث ونسبة النقود بمعنى السيولة لا تتجاوز النصف

: وعموما هناك  تصنيفات متعددة للصكوك فمن جهة نوعان كبيران من الصكوك

صكوك مدعومة بالأصول يتحمل فيها حامل الصك المخاطر مباشرة لأن الملكية القانونية تنتقل إليه طيلة مدة الصك

وصكوك معتمدة أو قائمة على الأصول ولا يتحمل فيها حامل الصك المخاطر مباشرة لأنه يملك الملكية النفعية فقط وعند التعثر في السداد يعود إلى المنشئ أو الجهة الضامنة لمطالبتها بالتسديد.

ومن جهة ثانية هناك تصنيف آخر يعتمد على نوعية العقد الذي تستند إليه عملية إصدار الصكوك، وفي هذا الجانب هناك ما لا يقل عن أربعة عشر نوع من الصكوك من أهمها:

– صكوك الإجارة وهي ستة

– صكوك المشاركة

– صكوك التمويل مثل السلم والاستصناع والمرابحة

– صكوك الاستثمار كالمضاربة والوكالة

– صكوك المزارعة والمغارسة والمساقاة

أما التصكيك فالمراد به التسييل أو التوريق أي تحويل أصول غير سائلة إلي أصول سائلة وهي قريبة من آلية الليزباك المتعرف عليها وهي عبارة على بيع أصل أو منفعة أو خدمة لشركة ذات غرض خاص تنشآ خصيصا لنقل ملكية الأصل أو المنفعة أو الخدمة وتجميع الأموال المنشودة فيها وتسديد الثمن إلى مالك الأصل أو المنفعة أو الخدمة ثم يبرم عقد إجارة للمالك مقابل أجرة محددة تدفع كليا أو جزئيا إلى حملة الصكوك طيلة مدة العقد وفي نهاية العقد تعود الملكية إلى المالك الأصلي مقابل تسديد الثمن المتفق عليه.

وبالنسبة للضجة التي حصلت فيما يتعلق بتصكيك المركب الرياضي برادس أشير فقط إلى ما يلي:

أولا كان من الأفضل على الحكومة الانطلاق بصكوك مشاركة تعتمد على مشروعات استثمارية جديدة ومبرمجة في الميزانية  لا ترتبط بها إشكالات سيادة أو نقل ملكية ولو مؤقت أو غير ذلك.

ثانيا كان عليها أيضا أن تقوم بحملة إعلامية إرشادية وتثقيفية للرأي العام خاصة وان قانون الصكوك مرت عليه ما يزيد عن السنتين لان المواطن لا يعرف شيئا عن هذه الصكوك ومعناها وجدواها واستتباع ومنافعها وما إلى ذلك.

ثالثا أما وقد أقدمت على ما يبدو على هذا النوع من التصكيك من باب الاضطرار إلى السيولة (مكره أخاك لا بطل) وليس وللأسف من باب الاختيار لآلية الصكوك كمصدر جديد وتنويعي للتمويل أما وقد حصل ذلك كان ولا يزال الإمكان واردا استخدام صكوك المنافع  التي تنتقل فيها ملكية المنفعة وليس ملكية الأصل إلى حملة الصكوك لمدة معينة ثم تعود إلى مالكها الأصلي وينتفع المستثمرون بعائد المنفعة طيلة تلك المدة.

أمّا بالنسبة للحديث عن التجارب العالمية للصكوك: فمن المفارقة العجيبة والغريبة أيضا أن آلية الصكوك تحظى بقبول عالمي لا نظير له وتطبق في الكثير من البلدان شرقا وغربا شمالا وجنوبا ولم تسجل حسب علمي أي ردود فعل سلبية مثلما حصلت عندنا وفي بعض وسائل إعلامنا المصابة بحساسية مفرطة إزاء كل ما يحمل عنوانا إسلاميا فهي تطبق في ماليزيا وبلدان جنوب شرق آسيا وبلدان الشرق الأوسط وتركيا وأمريكا وبريطانيا وألمانيا واليكسومبورج واليابان وروسيا وجنوب إفريقيا والسينيغال والنيجر والمغرب قريبا وغيرها كثير

ويستطيع أي إنسان أن يتابع ردود الفعل الايجابية جدا إزاء استخدام هذه الصكوك والنتائج الباهرة التي حصلت عليها حيث أغلق الاستكتاب أربع مرات في بعض الحالات نتيجة الإقدام الكبير للمستثمرين على الصكوك

وأخيرا أعلن رئيس الحكومة البريطانية بعد نجاح إصدار العام الماضي للصكوك بالسوق البريطانية أعلن عن تصكيك مقر البرلمان البريطاني وهو أعلى مؤسسة سيادية دون أن يحدث ذلك ضجة كالتي حصلت عندنا

الصكوك أيها السادة أداة ناجعة وفعالة لتمويل المشاريع الكبرى والحصول عن السيولة وتساهم في نقل الاقتصاد من اقتصاد قائم على الديون إلى اقتصاد قائم على الأصول والثروة الحقيقية.

جلال العياري(إطار بنكي ومدرب وباحث في المالية)

12065538_534218593420818_8601277857728883798_n

«اعتماد هذه الآلية لإنعاش الاقتصاد عبر استقطاب رؤوس الأموال التي تعزف عن المشاركة في المشاريع التي تمول بآليات ربوية»

أمام كثرة الحديث هذه  الأيام عن مسألة لجوء الدولة التونسية إلى آلية الصكوك الإسلامية لتعبئة مواردها لميزانية سنة 2016  وما تبعها من ردود فعل متباينة وصلت حد التناقض بين مدافع عن هذا التوجه ورافض له والتي تجد في تصريحات كل من  السيد رئيس الحكومة و السيد وزير المالية سببا لذلك  فان ما يبعث على الاشمئزاز الممزوج بالاستغراب هو تلك التصريحات المتتالية من بعض الخبراء و التي و إن حاولت أن تواكب الحدث و تجعل منه مطية للظهور في وسائل الإعلام  بمختلف أصنافها فان الطريقة التي تم بها تقديم الموضوع للرأي العام تطرح  أكثر من استفهام و تساؤل.

أن البعض ممن تدخل في هذا المجال بصفة الخبرة  في المالية و الاقتصاد لم يصلنا من خبرته سوى مفاهيم خاطئة و تحاليل بعيدة كل البعد عن واقع المسألة فكانت معارضتهم لتوجه الحكومة نحو تفعيل آلية من آليات التمويل الإسلامي لغاية المعارضة فقط و لم تكن مؤسسة على تحليل علمي يأخذ بحقيقة الأشياء ليوصل معلومة صحيحة و سليمة للمتقبل

وللإبقاء على قدر من حسن النية بمن تدخل في هذه المسألة بتلك الصورة وانتصب يحلل و يناقش دون تبصر يجب علينا أن نستحضر مقولة ( أن فاقد الشيء لا يعطيه ) فكيف إذا نطلب ممن لا يفقه في أبجديات المالية الإسلامية أن يحدثنا عن أحد صيغ التمويل الإسلامي الحديثة

و حتى لا يتحول موضوعنا هذا إلى مجرد رد على من  سبقنا في الحديث عنه بشكل مشوه  فإننا سوف نمر إلى تناول مسألة الصكوك الإسلامية  بطريقة علمية مجردة من أي خلفية نحاول من خلالها تقديم تعريف دقيق لها مع بيان الإجراءات المتبعة في عملية التصكيك من جهة و الأهداف و الغايات المرجوة منها مع بيان تجارب من سبقنا من الدول في استعمال هذه التقنية من جهة أخري ثم نختم ببيان بعض الأسباب التي تدفع بعض التونسيين إلى رفضها.

أولا نتعرّض لتعريف الصكوك الإسلامية و آليات إصدارها: إذا مسألة تعريف الصك من الناحية اللغوية و إن كانت لا تنفع الرأي العام بشكل مباشر فإن التذكير بها يمكن أن يصلح إلى من أراد مراجعة قراءاته لموضوع الصكوك الإسلامية فنكون بذلك قد أمنا له انطلاقة حسنة و ما عليه سوي الاجتهاد و المثابرة فنقول أن الصك في اللغة باختصار هو ما يكتب للعهدة أو هو كتاب الإقرار بالمال أو الكتاب الذي يكتب فيه المعاملات.

أما اصطلاحا فهو ورقة مكتوبة تثبت لحاملها أو صاحبها حقا في مال و هو ما يقابله في الفكر المالي التقليدي الأوراق المالية أما في الفكر المالي الإسلامي فهي الورقة المالية التي تثبت حقا لصاحبها في ملكية شائعة لموجود أو موجودات ومنها التصكيك أي تحويل الموجودات إلى صكوك و طرحها للبيع .

أن هذا التعريف الذي يطرحه الفكر المالي الإسلامي يكاد يتطابق تمام الانطباق مع ما تضمنه الفصل الأول من  القانون عدد 30 لسنة 2013 المؤرخ في 30 جويلية 2013 و المتعلق بالصكوك الإسلامية و الذي ينص على ما يلي : ( الصكوك هي أوراق مالية قابلة للتداول تمثل حصصا شائعة و متساوية القيمة في ملكية موجودات قائمة فعلا أو سيتم إنشاؤها من أعيان أو منافع أو خدمات أو حقوق أو خليط من الأعيان و المنافع و الخدمات و النقود و الديون من حصيلة الاكتتاب و تصدر في إطار عقد وفق المعايير الشرعية و على أساس قاعدة الغنم بالغرم )

إذا تلك هي الصكوك الإسلامية كما تعريفها في الفكر المالي الإسلامي و القانون التونسي لكن بما أننا في إطار الحديث عن الصكوك التي ستصدرها الدولة التونسية وفقا للقانون المذكور أعلاه فانه يتجه التذكير بان هذه الصكوك يمكن أن تكون صكوكا حكومية أي أن عملية الإصدار تتم لفائدة الدولة ممثلة في وزارة المالية ويتم تسويقها عبر شركات الوساطة المالية للجمهور وهو مجال حديثنا أو أن تكون الصكوك  خاصة أي أن المستفيد يكون مؤسسة من القطاع الخاص وهذه المسألة سيقع ضبط شروطها بأمر طبقا لما هو منصوص عليه بالفصل الخامس من  القانون عدد 30 لسنة 2013 المؤرخ في 30 جويلية 2013 والمتعلق بالصكوك الإسلامية.

لكن قبل المرور إلى الحديث عن آليات إصدار الصكوك يتجه التذكير بأن الصكوك يمكن أن تتخذ عدة أشكال منها ما يسمي بصكوك الاستثمار التي تحتوي بدورها على عدة أصناف تحدد حسب طبيعة المشروع و ما يتلاءم مع ظروف طالب التمويل و المستثمرين فتصدر على أساس عقد من العقود الشرعية كعقد الإجارة أو المضاربة مثلا كما يمكن أن تكون صكوك تمويل فتصدر على أساس عقود مرابحة أو استصناع أو سلم أو غير ذلك .

ثانيا بالنسبة لإجراءات إصدار الصكوك الإسلامية أو ما يعبر عنه بعملية التصكيك: فإنّ عملية التصكيك تتم عبر ثلاثة مراحل أساسية وهي مرحلة إصدار الصكوك و مرحلة إدارة محفظة الصكوك و أخيرا مرحلة إطفاء الصكوك.

بالنسبة لمرحلة إصدار الصكوك: فهذه المرحلة تبتدئ بعملية تعيين الأصل أو الأصول التي يراد تصكيكها و ذلك من طرف الجهة المنشأة للصكوك و التي هي الدولة في صورة الصكوك الحكومية عبر القيام بعملية حصر و تجميع الأصول المتنوعة في وعاء استثماري واحد يعرف بمحفظة التصكيك ثم الحصول على المصادقة التشريعية على عملية الإصدار و تتم  الدعوة للاكتتاب عن طريق وثيقة إصدار الصكوك معدة و ممضاة من قبل الممثل القانوني لجهة الإصدار و تحمل موافقة هيئة الرقابة الشرعية على الإصدار .

أما مرحلة إدارة المحفظة  إذ يتم إنشاء شركة تصرف من قبل الجهة المنشأة  أو بتكليف منها غرضها الوحيد التصرف في الصندوق المشترك للصكوك و تبقي تلك الشركة التي تم تأسيسها تدير تلك المحفظة نيابة عن المستثمرين طيلة مدة الإصدار بتجميع العائدات وتوزيعها على المستثمرين كما تقوم بتوفير الخدمات التي تحتاجها المحفظة.

ومرحلة إطفاء الصكوك فهي تتمثل في دفع قيمة الصكوك الاسمية في التواريخ التي تحددها نشرة الإصدار و استرجاع المال من قبل حملته.

أما بالنسبة لخصائص الصكوك: فعلى الرغم من تعدد وتنوع الأشكال التي يمكن أن تتخذها الصكوك إلا أنها تشترك في الخصائص التالية:

1 ) القابلية للتداول

2 ) ذات مخاطر استثمارية متدنية لأنها مسنودة بأصول اقتصادية

3 ) تستخدم في تمويل المشروعات الكبرى

4 ) لا تمثل مديونية على الخزينة

5 ) آجال الاستثمار عن طريق الصكوك متوسطة و طويلة الأجل

6 ) توفير سيولة نقدية سريعة

ثالثا هناك الأهداف والغايات المرجوة من إصدار الصكوك: إذ أنّ الأهداف والغايات المرجوة من بعث أو إصدار صكوك إسلامية من طرف الحكومة التونسية لا يمكن أن نتصورها في معزل عن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه بلادنا اليوم والذي يشهد انسداد للأفق فالآليات الكلاسيكية للتمويل وجلب الاستثمار وتحريك عجلة الاقتصاد والمبنية أساسا على الاقتراض تم استهلاكها جميعا ولم يبقي أمامنا في هذه الفترة بالذات التي يشهد فيها العالم بأسره تحولات خطيرة من سبيل سوي اعتماد الصكوك للخروج من هذه الوضعية.

فالحكومة التونسية ليست مخيرة في نهجها لهذا المنهج فجميع الحلول استنفذت ولم يبق أمامها سوي اعتماد هذه الآلية التي تنتظر التفعيل منذ سنة 2013 لعلها تتمكن من خلالها تحقيق الأهداف المرجوة والتي يمكن تلخيصها في إنعاش الاقتصاد عبر استقطاب رؤوس الأموال التي تعزف عن المشاركة في المشاريع التي تمول بآليات ربوية إضافة إلى تغطية جزء من العجز في الموازنة مع تنويع و زيادة موارد الدولة عبر المشاريع التنموية و مشاريع البنية التحتية وكذلك التقليل من الآثار التضخمية و استقطاب الأموال الموجودة خارج الإطار المصرفي.

إن هذه الأهداف  المرجوة و إن كان يصعب تحقيقها مجتمعة إلا أن ذلك لا يمنع من القول أن من سبقنا في تجربة الصكوك حقق و لو قسطا من هذه الأهداف و استفاد من الصكوك الإسلامية خير استفادة و لعل ذلك ما يفسر اكتساح هذه الآلية لأسواق المال العالمية  حيث استقطبت مستثمرين من دول و مؤسسات مختلفة وهو ما يفسر أيضا امتداد إصدار الصكوك الإسلامية خارج الدول الإسلامية و العربية و نذكر هنا ولاية سكسونيا في ألمانيا التي أصدرت صكوكا سنة 2004 بقيمة 100 مليون يورو كما قامت روسيا بإصدار صكوك بقيمة 200 مليون دولار عام 2011 لبناء مركز للأعمال في مدينة تترستان

هذا فيما يخص الانتشار على مستوي الدول أما نماذج المشاريع التي تم تمويلها بآلية الصكوك فيكفي بالتذكير ببعض النماذج  فنذكر مشروع ميناء خليفة و المنطقة الحرة بأبو ظبي و كذلك جسر البوسفور باسطنبول و سد مروي لإنتاج الطاقة الكهربائية شمال السودان.

إن مثل هذه الانجازات التي ذكرناها وحدها تمثل حافزا للحكومة التونسية أن تسير في اتجاه تفعيل آلية الصكوك الإسلامية لكن يبدو أن مثل هذه المسألة ليست بالأمر الهين بالنظر لما صاحب انطلاق عملية التفكير في تفعيل قانون 2013 من مواقف متحاملة لوثت مسامع الرأي العام و تسللت إلى وجدانهم عبر مسلك الغيرة على الوطن أمام الصمت المطبق للعارفين حقا بأصول المالية الإسلامية و أدوات  استثمارها لكن إضافة إلى هذا المعطي  ألا توجد أسباب أخري تدفع بالرأي العام و الطبقة السياسية إلى عدم تقبل هذا المشروع

ثالثا وما يخص أسباب عدم تقبل الرأي العام و الطبقة السياسية لتوجه الحكومة نحو اعتماد الصكوك: فان الأمر لا يمكن حصره في إطار حملة ممنهجة للتصدي لما تعتزم الحكومة القيام به في إطار التوظيف السياسي أو الاختلاف الأيديولوجي فحسب بل أن في المسألة ما يستحق المعالجة و التصويب حتى يمكن على الأقل التخفيف من حدة هذا الرفض لذلك ففي اعتقادنا فان ذلك يرد أيضا إلى :

– ضعف الوعي بأهمية الصكوك و ضرورتها الاقتصادية مع غياب كلي لأي مجهود من الدولة لتلافي ذلك عبر التعريف بالعملية و تبليغ المعلومة الصحيحة

– غياب الإطار التشريعي الواضح و المنظم لعملية إصدار و إدارة الصكوك على الرغم من صدور قانون الصكوك  في 30 جويلية 2013 الذي سيقع تنقيحه قبل بدئ العمل به إضافة إلى تأخر صدور الأوامر و المناشير المكملة و المفسرة له.

هشام عجبوني (خبير مالي)

12108986_10207789950728341_7844195281921600148_n

«الالتجاء إلى آلية الصكوك دليل على عجز الحكومة عن إيجاد بدائل أخرى لتمويل ميزانية الدولة»

في حقيقة الأمر، هذه الحكومة ليست لها رؤية و لا تصوّر و لا استراتيجيا اقتصادية و اجتماعية و مالية واضحة المعالم. كما أنّها لم تشرع في الإصلاحات الضرورية التي يجب القيام بها في أقرب وقت حتى تكسب ثقة المستثمرين الأجانب و السوق المالية العالميّة، مثل إصلاح المنظومة الجبائية و الماليّة و الإدارية و محاربة الفساد الذي ينخر اقتصاد البلاد و وضع أسس الحوكمة الرشيدة و الشفافية في إدارة المال العام.

و بالتالي، في غياب الإرادة و الرؤية و البرامج، لا يمكن لهذه الحكومة أن تكون لديها خيارات كثيرة لتمويل العجز في ميزانية الدولة بالنسبة لسنة 2016.

و هذا ما يفسّر اللجوء إلى آليَّة الصكوك الإسلاميّة و هي و إن كانت آليَّة متعامل بها في العديد من الدول، فهي غير معروفة في تونس و لم يقع تفعيلها في قوانين المالية السابقة رغم أنّ إطارها التشريعي وقعت المصادقة عليه في سنة 2013 و بعض الحكومات السابقة كانت ستلتجئ إليها.

ما يجب فهمه بتبسيط شديد هو أنّ هذه الآليَّة هي تقنية من تقنيات المالية الإسلامية التي ترفض المضاربة و تقوم بعمليّات تجاريّة حقيقيّة تتمثّل في الشراء و البيع بأثمان محدّدة سلفا و لا ترتبط بسعر فائدة يمكن أن يتغيّر بين الفينة و الأخرى.

عمليًّا، سيقع تكوين شركة ستقوم بشراء ملعب رادس من الدولة  و تحويل قيمته إلى سندات مالية أو صكوك يقع بيعها بثمن معيّن و لمدّة معيّنة على أن تسترجع الدولة الملعب بثمن معيّن في تاريخ معيّن.

ما يجب الإشارة إليه أنّ الشركة التي ستشتري الملعب ستستفيد من كل مداخيل ملعب رادس وبطبيعة الحال ستتعهد كذلك بصيانته و مصاريف استغلاله.

وبالتالي على الحكومة تحديد الكلفة التقريبية في حالة الالتجاء إلى آلية الصكوك الإسلامية ومقارنتها مع كلفة القروض في حالة إمكانية الالتجاء إلى السوق المالية العالمية.

شخصيا كنت أفضِّل أن توفّر الحكومة موارد جبائية إضافيّة عبر محاربة التهرّب و التهريب الذي يغذّي التجارة الموازية و التي تمثّل حسب التقديرات ما بين 40 و 50% من الاقتصاد الرسمي.

ولكن في غياب الإرادة السياسية لمحاربة التجارة الموازية التي يمكن أن تدرّ على خزينة الدولة آلاف المليارات، أعتقد أن الالتجاء إلى آلية الصكوك الإسلامية يمكن أن يكون حلا من الحلول المتاحة على شرط أن لا تكون مبالغ القروض مرتفعة حتى يتسنى للدولة إرجاعها بسهولة و أن لا تكون كلفة هذه القروض أرفع من القروض المتاحة على السوق المالية الدولية.

في كل الأحوال، كان على الحكومة القيام بعمل بيداغوجي لتفسير هذه الآلية الجديدة التي أحدثت ضجة لدى الرّأي العام الذي لم يتقبّل أن يقع التفريط في «درّة المتوسّط».

هنالك مسألة هامة أخرى تسببت في هذه الضجة و هي أنّ الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية الأخيرة قام بوعود كبيرة منها 125 ألف مليار استثمارات خلال خمس سنوات وألف مليار سنويا كقروض بدون فائدة و إحداث 96 ألف موطن شغل سنويا و غيرها من الوعود التي لا يمكن له تحقيقها، و بالتالي حدثت صدمة لدى جزء من الرأي العام الذي وجد الحكومة عاجزة عن توفير جزء قليل جدا من الوعود الذي تعهّد بها هذا الحزب و أُجبرت على «رهن» (و هي في الحقيقة عمليّة بيع) أملاك عمومية مهمة لتمويل العجز في الميزانية.

الفاضل الحرباوي (كاتب عام النقابة الوطنية للمهندسين المعماريين التونسيين)

Image 1

«حنكة وذكاء الحكومة في اختيار هذه الآلية لخطورة اللجوء إلى التمويلات البنكية العالمية الأخرى»

إن الصكوك الإسلامية أو الأوراق الإسلامية كما يروق للبعض تسميتها هي وثائق مالية رسمية معترف بها بمختلف أنحاء العالم لتعكس مجموعة الحصص الشائعة في ملكية أصول أو عقارات أو منافع أخرى كحقوق التصرف والديون وغيرها… فهي شبيهة بما تعودنا على تسميته بالأسهم، لكن في مجالات أوسع وأشمل مع منع ما يتنافى فيها مع القواعد الشرعية. وتقوم عملية التعامل بها على المشاركة في تمويل مشروع أو استثمار على مدى زمني يقع الاتفاق حوله مسبقا. كما تجدر الإشارة إلى ضرورة إبرام عقد مشاركة أو مرابحة أو إيجار للغرض يتم بمقتضاه تحديد كل البنود التعاقدية  اللازمة.

إنّ المالية الإسلامية بصفة عامة ومبدأ التصكيك الإسلامي بصفة خاصة تشهد نموا مطردا ليس له مثيلا في مختلف أنحاء العالم وخاصة بأوروبا وآسيا والولايات المتحدة الأمريكية وماليزيا واندونيسيا وعدة دول أخرى حيث تتالت الأزمات الخانقة جراء السياسات المالية المتبعة وتغول رأس المال المتوحش. فأزمة الرهون العقارية التي عرفت أوجها سنة 2008 أدت إلى إفلاس العديد من البنوك العالمية وخلق أزمات اقتصادية حادة بأغلب الدول التي تتبع نفس المنهج. وكبديل طرح نفسه، تمكنت البنوك الإسلامية من حسن التموقع داخل المنظومة المالية العالمية وإفتكاك جزء هام من السوق. فقد وجد الأوروبيون فيها ملاذا آمنا يقيهم شر الأزمات والاهتزازات التي قد تعصف باقتصاد إتحادهم في المنظومة التي تحدد بصفة مسبقة كل الشروط والمبالغ المرصودة والأرباح المتأتية من المشاريع، فتشاركهم الربح والخسارة المحتملة دون أن يضل عداد الفوائض البنكية يشتغل كما هو الحال بالنسبة لبقية أنماط التمويل حيث تتراكم الديون خاصة إذا ما تأخر الإنجاز والاستغلال أو ارتفعت الأسعار وغيرها… فالمالية الإسلامية تثمن العمل وتعطي العنصر البشري وفعله القيمة التي يستحق، فتنبذ مبدأ « المال وحده يولد المال» والتواكل والاحتكار والربى.

إنّ انطلاقة المالية الإسلامية كانت مع عالم الاقتصاد الأمريكي « تيمور كوران» الذي تلاه العالم الباكستاني « سعيد أبو الأعلى المودودي»، ومن ثمة بدأت تتكاثر انطلاقا من مصر سنة 1969 ودول الخليج وإيران واندونيسيا وماليزيا، لتغزو كل العالم وخاصة أوروبا حيث تجاوز حجم الاستثمار بها 1100 مليار أورو سنة 2011، ولا يزال في تطور مطرد لمزاياها عليهم. كما تم إدراجها ضمن البرامج التعليمية كمادة أساسية بكل الجامعات وفتح معاهد عليا أخرى متخصصة في تدريسها على غرار «المعهد الفرنسي للمالية الإسلامية» وغيره…

بمجرّد التفكير في اعتمادها من قبل وزير مالية حكومة الحبيب الصيد حنكة وذكاء لخطورة اللجوء إلى التمويلات البنكية العالمية الأخرى التي تعتمد نسب فوائض تتراكم بمرور الزمن لتبتلع الاستثمار نفسه في صورة وجود عوائق وتعطيلات تؤخر الإنجاز كما هو الحال الآن بالنسبة لكل المشاريع. فمقترح الوزير وجيه بالاهتمام والدرس ويعكس نباهته وحسن تفكيره في إدارة الأزمات وتوقي المخاطر المالية المحتملة. كما أن الإجراء المزمع اعتماده من قبله قانوني بحت بالاستناد إلى ما تمت المصادقة عليه من قبل المجلس التأسيسي سنة 2013 وتماشيا مع الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه البلاد في هذه الفترة.

أعتقد أنه يتعين علينا جميعا عدم التسرع فيما يتعلق بتوفير الضمانات الخاصة بالممولين أو الشركاء وبالتالي تقديم مقترحات لا تمس من السيادة الوطنية ولا تفرط في مكتسباتنا. فسندات الخزينة المقترحة تمثل نوعا من الخصخصة لجزء من مال الخزينة العامة للبلاد التونسية وأعتبر ذلك مسا من السيادة الوطنية. كما أن بيع ملعب رادس مع إمكانية استرجاعه بأضعاف ثمنه الأصلي مقترح غير مقبول. فلم لا يتم اللجوء للتمويل الإسلامي في شكل عقود مشاركة ومرابحة واستلزام ملعب رادس لفترة زمنية كضمان لذلك ؟

كما أتساءل عن ماهية المشاريع التي سيتم استثمار هذه الأموال الطائلة فيها ومدى مردوديتها ودورها في تحريك العجلة الاقتصادية من حيث القيمة المضافة والتشغيل والديمومة وغيرها…؟

لقد عمت الغوغاء والرداءة في كل مكان وغابت الموضوعية والمصداقية عن أغلب مكونات الطبقة السياسية في تونس منذ أواخر سنة 2011 ، ولم نعد مهتمين بما يقولون. فقد تمادوا في تصفية الحسابات السياسية على حساب سير دواليب البلاد واقتصادها ومصالح شعبها  إذ أصبحنا نرى شقا من الحزب الحاكم يعارض حكومته ويسعى إلى إسقاطها كما فعل مع الحكومة المؤقتة التي سبقته، وبالتالي فإن عدم المبالاة بتصريحاتهم والتركيز على العمل والسعي لنفع البلاد وشعبها أفضل وأرتح بكثير من إضاعة الوقت في الاستماع إليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *