جريدة الخبير

23/01/2023
جريدة الخبير, أخبار الاقتصاد التونسي
31140935
lexpert.tn@gmail.com

الإعلام والمال والسياسة: المشروع واللاّمشروع: علاقة ثلاثيّة لا بدّ من الفصل بينها

 

 

ensemble2

المال السياسي يؤدّي بالضرورة إلى الفساد القضائي فالفساد الإعلامي

إن قضية الإعلام في تونس تمثّل طبائع العبث والفساد  اللذين ترعرعا في ربوع جغرافيّته الواسعة، موقعين أضرارا جسيمة في الألياف الأخلاقيّة للمجتمع. فمن يعتقد أنّ هذه الطبائع مستقلّة، في ظهورها وتطوّرها عن النشاط العلمي، فيعدّها امتدادا طبيعيّا للفساد المالي والسّياسي، فإنّ معرفته لهذا المجال جدّ ناقصة ونظرته ضيّقة لا تحتمل القوانين الضابطة للعمل والسلوك.

إنّ الفساد المالي والسّياسي في تونس أبرز بوضوح الفساد في المجال القضائي، والفساد في المجال القضائي أدّى إلى اكتشاف الفساد في ساحة الإعلام. والفساد في هذه الساحة ألوان وطبقات، وأبرزها طبقة الفساد المعقلن وهي التي منحت الانطباع للتونسيين بأن تونس حقّقت خلال العقدين الأخيرين، زيادة لا مثيل لها في الازدهار الاقتصادي والاستقرار السّياسي. ولقد اعتمدت وسائل الإعلام، في تواطئ منظّم مع العديد من الأوساط، كثيرون هم من انخرطوا في لعبة الباطل لصناعة الصورة النموذج للنجاح الاقتصادي والسياسي في تونس أوّلا، وإعطائها شرعيّة تعزّز من تأثيرها في الرّأي العام المحلّي والدولي.

حين تتحوّل الإساءة إلى الوطن أو إلى الثورة، تتحوّل إلى قضيّة حريّة تعبير لكن تظلّ الصناعات الإعلاميّة ملوّثة بألوان من الفساد الفكري والأخلاقي، لابدّ حينئذ من وجود مبني على التفتح الفكري المتحرّر من كل قيد كي لا يتحول المجال الإعلامي إلى مجال للفوضى والعبث والفساد.

إنّ حجم الفساد الذي استشرى في قطاع الإعلام وشمل شراء ذمم كتاب وصحفيّين من البلاد وخارجها للتطبيل لنظام لم يكن يهتم بشيء كاهتمامه بتلميع صورته مع أنّ الشيء الوحيد الذي يحتاج للتلميع، على قول أحدهم، هو الحذاء لأنّ ما يلمع أصلا لا يحتاج لمن يلمّعه. أصحاب صحف من أردأ ما يمكن أن يصدر في عالم الصحف، ليس فقط كأخلاقيات مهنة وإنما أيضا كصنعة لها أصولها وقواعدها، تلقّوا مبالغ ضخمة وأغدقت عليهم الإعلانات الحكومية دون غيرهم نظير قيامهم بتأليه المموّل من ساسة ورجال أعمال وغيرهم مقابل تسخيف وتشويه كل من تُشتمّ منه، ولو من بعيد، رائحة المعارضة أو حتى الاستقلالية وتلك لهي من أكثر الوسائل انحطاطا. ومن وسائل الإعلام هذه يُختصّ بالذكر قناتين تلفزيتين خاصتين ترتكزان على سبل التشهير والتشويه لصالح ساسة معيّين وهذا يعني أنهم إعلاميّون مباعة ذممهم ولا يعملون لصالح المهنة بل لصالح من يدفع أكثر لتصبح المعلومة في سوق التجارة للبيع والشراء والسمسرة.

هذا تقريبا ما وقع التطرّق إليه في ندوة صحفيّة حوارية نظّمها حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري تحت عنوان «الإعلام والمال والسياسة: المشروع واللاّ مشروع» ترأّسها الأمين العام للحزب الدكتور لطفي المرايحي بقيادة المدير العام لجريدة الخبير والبرنامج التلفزي « الخبير» بقناة تونسنا السيد عبد اللّطيف بن هدية وثلاث مداخلات مختلفة لكلّ من السّادة أحمد صواب ويوسف الوسلاتي وحافظ الغريبي وفي ما يلي تصريحاتهم حول العلاقة الثلاثية بين الإعلام الفاسد والمال السياسي والقضاء المشلول ودورهم في خلق منظومة جدّ فاسدة:

لطفي المرايحي (الأمين العام لحزب الاتحاد الشعبي الجمهوري)

lotfi

«المال السياسي في تونس يفسد العملية الديمقراطية ويخلق سبيلا لتخطّي المبادئ الذي وُجد من أجلها الإعلام»

إنّ الإطاحة بهرم السلطة يوم 14 جانفي 2011 قد فتح أمام بلادنا سبيلا للانتقال الديمقراطي وشرّعت استعادة الشعب لسيادته. تلك الفترة هي لحظة تاريخية مفعمة بالتفاؤل ما فتئت أن تتحرّر لتُقيّد من جديد أكثر ممّا كانت عليه سابقا جرّاء المنتهزين والمتربّصين لهذه اللّحظة فافتُكّت الحريّة لتُقيّد من جديد بسبب الحياة السياسية التي شهدت مطبّات أوّلها القانون الانتخابي الذي أقرّته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي، معاكس لما كان يصبو إليه الشعب التونسي ليبوء بالفشل كما أنها فشلت أيضا في إحاطة هذه المرحلة -ونقصد بها المرحة الانتخابية- بقوانين تضبط مجال التدخل الإعلامي والمالي في الفعل السياسي.

كذلك هو الشأن بالنسبة للمجلس الوطني التأسيسي وفشله في ضبط أطر عمل الهيئات الإعلامية والانتخابية وعجزه للتصدّي لممارساتها في الفترة الانتخابية حيث وقع إخراج الأحزاب الحديثة من دائرة الأضواء الإعلامية والعمل على تلاشيها واندثارها ونتف ريشها قبل أن تتعلّم التحليق في سماء الديمقراطية والحياة السياسية إذ أنّ الإعلام والمال السياسي الفاسدين يساهمان في اندثار بعض الأحزاب من المشهد السياسي في البلاد بسبب اختراق المال السياسي الفاسد للإعلام واحتكاره له، فما إن تخلّص الإعلام من الديكتاتورية السياسية وتحرّر من القمع حتى بدأ يسقط تحت ديكتاتورية أخرى هي ديكتاتورية المال أي أنّ المشهد الإعلامي في تونس يتغيّر اليوم من جديد ويتحزّب وهو بصدد تغليب توجهات ومصالح سياسية من خلال الوقوع تحت سلطة المال السياسي، والمال السياسي والمسيّس ديكتاتور مستبد.

وفي ديمقراطية ناشئة تحت قوانين هشّة كما في تونس حين يتزوّج المال السياسي بالإعلام تنهار القيم وتسقط الأخلاقيات ويفقد الإعلام شرفه وتصبح الديمقراطية مهددة حيث ينحرف المسار الديمقراطي ليتحوّل المال إلى مقوّم أساسي للعمل السياسي توظّفه الأحزاب باستحقاق لبلوغ مطامعها الانتخابية، فالإعلام مازال متأرجحا متمايلا بين المصالح، إمّا ولاء أعمى ومطلق أو معارضة متحزّبة منحازة دون بلوغ الموضوعية المطلوبة والحياد النزيه.

إنّ المال السياسي في تونس يفسد العملية الديمقراطية ويخلق سبيلا لتخطّي المبادئ الذي وُجد من أجلها الإعلام عبر مصالح انتهازية وتوظيفه لمن يدفع أكثر أي تغلّب القيم المادية على القيم الأخلاقية في علاقتها بالمهنية الصحفيّة ممّا ساعد على تدفّق أموال مشبوهة قد تكون من تدبير جهات أجنبية تسعى للاستحواذ على حرية قرارنا.

وللحيلولة دون انحراف المسار الإعلامي لابدّ من إقرار هيئة مستقلة تقوم بمراقبة تمويل الأحزاب واطلاع المواطن على هذه السجلات المالية لضمان الشفافية وبذلك خلق إعلام نزيه ومستقل وغير متحزّب.

إن الإعلام العمومي مثله مثل الإعلام الخاص في الممارسات الإعلامية إذ يتعامل مع الأحزاب حسب حجمها لا حسب برامجها ومقارباتها للملفات السياسية فبعض وسائل الإعلام خدمت كثيرا الأحزاب السياسية في فترة ما قبل الانتخابات الأخيرة بشكل لافت الأمر الذي ساعد هذه الأخيرة كثيرا على الفوز في الانتخابات واقتلاع مقاعد بمجلس نواب الشعب.

نحن مع حرية الإعلام المستقل الخاضع لضوابط والرقيب لنفسه على نفسه لذلك ندعو لتوسيع صلاحيات المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري كآلية للتدخّل في العمل الصحفي وضمان عدم حياده عن المسار الحقيقي والالتزام في كل الأوقات للإعلام العمومي والخاص، الداخلي والخارجي على حدّ سواء لتفادي توظيفه من قبل مراكز النفوذ المالي.

ولا ننسى الإعلام الموجّه العامل لصالح جهات معيّنة وفق أجندات محدّدة والخروج عن مفهوم الحياد لذلك لابدّ من فك الارتباط بين العناصر الثلاثة ضمانا لديمقراطية سليمة وأن يُدار الشأن السياسي في البلاد في المنابر الإعلامية بكل عدالة وإنصاف بين جميع الأحزاب والتعامل معها من نفس المسافة مع ضرورة أن يسترجع الإعلام التونسي مكانته ودوره بعيدا عن كل أشكال التوظيف السياسي والهادف إلى مآرب حزبية من خلال النفوذ المالي لاحتكار النفوذ الإعلامي ممّا يولّد القطيعة مع الحياة العامة وبالتالي التمرّد الخالي من التأطير.

أحمد صواب (قاضي بالمحكمة الادارية)

ahmed saweb.PNG

«الإعلام لم يتخلص من الفساد المالي والقضاء لم يساعد الإعلام على التخلص من هذا الفساد»

إن القضاء والإعلام هي عناصر مكوّنة لمنظومة ما قبل الثورة وقد اعتراها الفساد بنسب متفاوتة، فرغم مرور خمس سنوات على ثورة الياسمين مازال المشهد الإعلامي في تونس، مع ما يتمتّع به من حرية، يعيش حالة من الضبابية والتخبّط والفوضى ولم يتخلص بعد من موروثات سنوات القمع والرقابة، وبات المال السياسي يستغل الثورة للتمرس وراء وسائل الإعلام، كذلك القضاء عوضا عن تحسّن الوضعيّة اثر خمس سنوات من الانفراج الديمقراطي الذي حاد عن مساره إذ أنّ منظومة الفساد رجعت بقوة في مجالي السياسة والإعلام.

والإشكال هنا يكمن في عدم قدرة أصحاب المهنة من تحمّل المسؤولية وبالتالي خلق ثقافة جديدة ومحاسبة الذات قبل محاسبة الغير ممّا خلق تقصير في المجال الإعلامي ووقع اختراقه من خلال المال السياسي الفاسد كما تجسّده الصحافة الصفراء التي عادت بقوة، والتي تُستَعمل لضرب نشطاء حقوق الإنسان. إذ كنّا نعاني من مثل هذه الصحافة في نظام بن علي بقوة الاستبداد والبطش، فتحولت الآن إلى صحافة صفراء تتحكم بها رؤوس الأموال وهذا يمثل خطرا كبيرا وخاصة على مستوى الصحافة المكتوبة.

ويضيف أن الإعلام العمومي (تحت سلطة الدولة) استغلّ الفوضى الذي كانت عليها البلاد بعد الثورة إلى جانب ضعف السلطة، وأصبح يعمل دون ضغوطات تقريباً، فأفرز ذلك انتخاب مجالس تحرير غير حيادية.

ويلعب المال السياسي الفاسد دورا واضحا في المشهد الإعلامي فوسائل الإعلام تبرز كل يوم مثل الفقاعات دون مبادئ وقوانين تضبطها إلى جانب ظهور مقالات خارجة عن المبادئ المهنية فقلّما تجد مقالا يحترم الفعل الأخلاقي والمهنية الصحفية.

لابدّ من تطبيق المبادئ التي قامت عليها الثورة في تونس بمعنى التعجيل بالمحاسبة فكل الحكومات المتعاقبة بعد هروب بن علي، وحتى الشرعية منها، تبدو شريكة في ما يحصل اليوم بعد الثورة على مستوى الإعلام ولابدّ من العمل على تطهير الإعلام الذي ينطلق أساسا من الإعلام العمومي الذي يبقى هشّا وبالتالي يبقى تابعا وغير مستقل.

إنّ المال السياسي يتمرّس دوما خلال الثورات وراء وسائل الإعلام. فاليوم تقوم رؤوس الأموال الفاسدة، من أجل الدفاع عن نفسها من أية محاسبة، بضخ الأموال سواء ببعث صحف وقنوات تلفزيونية وإذاعية، أو بدعم وسائل قديمة وبذلك إدخال أموال مشبوهة والتوظيف السياسي الرديء لبعض القنوات الإعلامية لمصلحة طرف سياسي أو شقّ من طرف كما حدث بقرطاج أخيرا بمناسبة الاحتفال بجائزة نوبل للسلام فأنا أعتبره توظيف رديء وفساد سياسي رغم المجهودات الجمّة التي تقوم بها نقابة الصحفيّين لإرساء إعلام مستقل وموضوعي ومحايد إلى جانب الدفاع عن الإعلاميين.

من أكبر الأسباب التي تُضعف الإعلام من ناحية استقلاليته هو الوضع الكارثي من الناحية القانونية والتغطية وسياسة التأجير والتجارة بالصحفيّين مع العلم بالأجور الضعيفة جدّا ممّا يخلق سببا وخضوع كبير أمام الإغراءات السياسية والمالية.

وقد ظهرت في الفترة الأخيرة تجاوزات خطيرة تمثلت في الشتم والسباب والقذف بين رؤوس الأموال بعيداً عن أي احترام للقارئ والمشاهد والمستمع في ظل السلطة الهشة التي تحكم البلاد

وشهد المشهد الإعلامي التونسي تطورا عدديا رهيبا وسريعا بعد الثورة دون منظومة تشريعية وهياكل تعديلية تواكب هذا التعدد وتنظّم القطاع، وهو ما جعل المال السياسي يستغل ذلك الفراغ ليحوله إلى سوق يضخّ فيها الأموال، ولكن هؤلاء ينسون أنّ في ذلك تبعات خطيرة على البلاد.

أمّا القضاء كان يمكن أن يكون سندا للإعلام نظرا لحوزته البتّ في الملفات لكن النسق البطيء والمشلول في معالجة الملفات التي تُطرح أمامه سواء تعلّق الأمر بالملفات الراجعة لما قبل الثورة والتي كشفتها لجنة «عبد الفتاح عمر» وخاصة الثلاث ملفّات المعروضة على القضاء ولم يقع البثّ فيها إلى الآن منذ أكثر من أربع سنوات ونصف وأخص بالذكر ملف «كاكتوس» وملف «وكالة الاتصال الخارجي» وملف التلفزتين الخاصتين اللّتين تحصّلتا على امتيازات جبائية وشبه جبائية خارقة بصفة شنيعة للقانون.

هناك قرابة أكثر من 100 ملف لم يقع الحسم فيها، أمّا البقية وما أدعوها ب»صحافة المجاري» التي تواصل في القذف وإغراق المجتمع التونسي المدني والسياسي في عديد القاذورات.

إنّ الإعلام لم يتخلص من الفساد من الناحية المالية والقضاء لم يساعد الإعلام على التخلص من الفساد فالمال الفاسد اخترق الإعلام وبالأساس الإعلام الخاص.

إنّ ما أعيبه على القضاء في موضوع محاكمة الإعلاميين كتسرّعه من خلال الاستدعاءات على الشاشة للنيابة العمومية أو عند خروج الصحفي من المحطة التلفزية ومحاكمتهم في بعض الملفات ممّا تبيّن بالكاشف الخروج عن سياق الثورة التي دعت لحرية الإعلام ونذكر من ذلك ملف «المولدي الزوابي» الذي وقع تتبّعه من النظام السابق نتيجة تعريته لبعض الفضائح والفساد ولم تقع تبرئته إلاّ في أواخر أكتوبر 2015 وهذا غير معقول.

إنّ محاكمة الإعلاميين يجب أن تكون على أساس المرسوم عدد 115 وليس خلافا لما هو دارج في القضاء، فالتتبّع يتم حسب المجلة الجزائية.

إنّ الإعلام والقضاء هما سلطتان مضادّة للسلطة السياسية لأنها سلطات مراقبة لهذه السلطة التي تمتلك ذراعان وهما السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فهذين السلطتين الأخيرتين مسنودتين ومدعومتين بأحزابها لا تقبل رقابة مستقلة ونزيهة ونافذة وشرعية ومشروعة.

كي يكون لنا قضاء وإعلام مستقلّين ونزيهين لابدّ من نضالات من أهل المهنة وهم القضاة والصحفيّين.

يوسف الوسلاتي (عضو لجنة الحريات التابعة للنقابة الوطنية للصحفيّين التونسيّين ورئيس تحرير جريدة الشعب)

yousef wasleti

«النقابة تضمن حياد الإعلام والتوظيف السياسي يعمل على ضربه»

إن الحديث عن مسار إصلاح الإعلام يمرّ بالضرورة عبر الحديث عم مسار الفساد الذي حدث في الإعلام ويبرز ذلك من خلال وجود مجموعات مالية خاصة في الأيام الأولى للثورة وحاولت الاختفاء وراء الإعلام من أجل تنفيذ أجنداتها مثل الفاعلين السياسيين والأحزاب والكتل السياسية التي حاولت تطويع الإعلام وتوظيفه بطريقة منافية للقانون.

لقد لاحظنا محاولات التوغّل داخل المرفق العمومي خاصة من خلال التعيينات وكذلك من خلال التلميح لبيع المرفق العمومي في بعض الأحيان ومن خلال إيجاد قنوات إذاعية وتلفزية خارج الأطر القانونية وفي غياب الهيئة العليا المستقلة للإنتاج السمعي البصري «الهايكا» حينها، ممّا تمّ وبصفة متعمّدة تأخير بعثها رغم نضالات الصحفيّين والقيام باضرابات في هذا الشأن.

إن النقابة بصدد وضع اللّمسات الأخيرة لتكوين وإرساء مجلس صحافة يشغل دور الرقابة الأخلاقية وليس القانونية على المحتويات الإعلامية وخصوصا في مجالي الصحافة المكتوبة والالكترونية، أي ستكون هناك نظرة في الجوانب والممارسات وخاصة التجاوزات الأخلاقية كذلك الشأن بالنسبة للإعلام السمعي البصري.

لقد عملنا منذ مدّة مع منظمات المجتمع المدني والهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري (هايكا) على تحوير المراسيم وتقديم مشروع موحّد كي لا يكون هناك تشتّت في تعديل المرسومين بين هذه الهياكل كما تمّت صياغة تقريبا مختلف التنقيحات واللمسات الأخيرة فقط لتحوير هذه المراسيم.

بالإضافة إلى ذلك تمسّكنا في لقاءاتنا سواء مع رئيس الجمهورية أو مع رئيس مجلس نواب الشعب وحتى مع الفاعلين السياسيين ألاّ تكون الهيئة القادمة أقل استقلالية من الهيئة الحالية وتكون مسنودة ومدعومة بصورة فعلية لنضمن موضوعية وحيادية الإعلام واستقلاليّته عن المال الفاسد والتوظيف السياسي اللّذان يساهمان في ضربه وخروجه عن مساره الحقيقي.

حافظ الغريبي (مدير تحرير دار الصباح وعضو الهيئة المديرة لجامعة مديري الصحف)

hafedh

«نحن بصدد مراجعة المرسوم 115»

إنّ الإعلام، شأنه شأن بقية قطاعات حياتنا، قد سجّل انتكاسات وفشلاً وكذلك نجاحات وإنجازات فقد سعى نظام بن علي إلى فرض قيوده عليه على أكثر من مستوى:

– إجرائي بحيث لا يتسلم صاحب النشرية وصل الإيداع القانوني إلا متى أرادت السلطة ذلك

– تجاري من خلال فرض محاصرة على مستوى التوزيع

– مالي من خلال التحكم في سوق الإعلان العام والخاص

غير أن الثورة فتحت الباب على مصراعيه لحريات عدة منها حرية الصحافة والنشر وهو ما ترجمه الزخم الكبير من العناوين التي شهدتها الساحة الإعلامية. فشهد المشهد الإعلامي التونسي تطورا عدديا رهيبا وسريعا بعد الثورة في غياب منظومة تشريعية وهياكل تعديلية تواكب هذا التعدد وتنظم القطاع، وهو ما جعل المال السياسي يستغل ذلك الفراغ ليحوله إلى سوق تضخّ فيه الأموال لتصفية حسابات وتوجيه الرأي العام، ولكن هؤلاء نسوا أنّ في ذلك تبعات خطيرة على البلاد. هذه العناوين قد ارتفع عددها بسرعة مهولة إلى أن بلغ حوالي 250 عنوانا وهذا الزخم قد أضرّ بالجميع إذ أنّ عددا من المؤسسات الإعلامية جانبت المضمون الإعلامي الجيد وحادت عن الموضوعية والمهنية والرّؤى الواضحة ولم توفر لنفسها الإعتمادات اللازمة، في وقت تحتاج فيه تونس إلى إعلام صادق يراعي طبيعة المرحلة ..وهو ما جعل وخلال السنوات المنقضية لا يبقى من بين الـ 250 عنوان إلا 45 عنوانا فقط ، مقابل طفرة كبيرة على مستوى الصحافة الالكترونية والتي تساهم عناوينها بطريقة أو بأخرى في توجيه الرأي العام

إن تجربة الخمس سنوات المنقضية دعت كل المتداخلين في الشأن الإعلامي إلى تقييم الوضع والوقوف عند الهنات المسجلة وما آلت إليه وضعية الصحافة المكتوبة من ظروف صعبة لذلك انكببنا على مستوى جامعة مديري الصحف على دراسة هذه الوضعية ونسعى لوجود حلول لها لأكثر من مستوى: المستوى القانوني من خلال مراجعة المرسوم 115 حيث سيقع تحويره وتدارك الهنات الموجودة به، كذلك على مستوى تنظيم القطاع وضبط رؤية واضحة للمرحة الانتقالية القادمة لأنها مرحة مفصلية في تأسيس الديمقراطية الدائمة والحكم الرشيد، وإيلاء الصحافة الالكترونية أهمية خاصة لأنها تمثل مستقبل الصحافة المكتوبة فقطاع الصحافة الالكترونية ورغم ما يتمتع به من حرية، يعيش حالة من الضبابية والتخبط والفوضى في غياب القوانين المنظمة لهذا القطاع الهام.

فنحن نسعى جاهدين في المرحة المقبلة إلى إعادة مراجعة المرسوم بالاشتراك مع كل أهل المهنة من نقابة الصحفيين إلى  منظمات المجتمع المدني إلى كل الأطراف المعنية بذلك. فأنا عضو في لجنة صياغة المشروع الجديد للقانون الصحافة الذي سيعوض المرسوم 115 ..نحن نسعى إلى بناء مشروع قانون جديد يراعي كل ما أظهرته  الممارسة من هنات وفي الوقت نفسه نحن ساعون لتأسيس مجلس للصحافة الورقية والالكترونية مع وجود العديد من المشاريع التي نعمل عليها مؤخّرا مع الحكومة كتنظيم مسألة الإشهار العمومي ومسألة الاشتراكات وغيرها من المسائل التي تعطي متنفّسا جديدا للمؤسسات الإعلامية وخاصة الصحافة المكتوبة لتنطلق انطلاقة جديدة.

تغطية: هاجر عزّوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *