جريدة الخبير

23/01/2023
جريدة الخبير, أخبار الاقتصاد التونسي
31140935
lexpert.tn@gmail.com

اتفاقية التبادل الحر الشامل و المعمق مع الاتحاد الأوروبي:في ظل الغموض و عدم تكافؤ الفرص… هل ستقدر تونس على التراجع عن فتح أبوابها ؟

 تعيش تونس منذ السنوات الاخيرة على وقع جدل مستمر تتباين فيه المواقف حول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي الأليكا. و ازداد الحديث في الأشهر الأخيرة عن هذه الاتفاقية  ليطرح بقوة  ويعمّق الجدل بين أطراف ترى في هذه الاتفاقية الجنة الموعودة  وأخرى تعتبرها  شرا وضررا كبيرا .

ففي الاطار نفسه تتوجّس العديد من الأوساط التونسية من اتفاقية الاليكا وهو ما أشعل جدلا واسعا في تونس إذ يعتبر المنتقدون والمعارضون لتوقيع تونس لهذا الاتفاق أنه شكل جديد لهيمنة الاتحاد الأوروبي على تونس وما هذه الشراكة الجديدة سوى وسيلة لابتلاع السوق التونسية والمنتجات المحلية ومن ورائها الاقتصاد التونسي من قبل الاقتصاد الأوروبي الضخم.

لكن الجدل حول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق مع الاتحاد الاوروبي ليس أمرا مستجدا بل هو نقاش قديم جديد يطفو على السطح من فترة إلى أخرى منذ أن تم الإعلان عن بدء المفاوضات حول هذه الشراكة الجديدة للتبادل الحر بين تونس والاتحاد الأوروبي. وفي كل مناسبة يعيد النقاش المستعر نفس الخطاب بنفس المفردات والانتقادات والاتهامات بعدم المبالاة بالقدرة التنافسية للمنتوج التونسي والرغبة في إضعافه.

وتعدّ اتفاقية الأليكا امتدادا لشراكة قديمة بين تونس والاتحاد الأوروبي انطلقت منذ سنة 1995 وكانت الشراكة في شكلها الأول تشمل المنتجات الصناعية، فيما تقترح النسخة التي يقع التفاوض بشأنها إدراج مجالات جديدة مثل الزراعة والخدمات.

وينص تعريف الاتفاقية على موقع الأليكا على أن الإيجابيات بالنسبة لتونس ستشمل نفاذ المنتوجات والخدمات التونسية بكل سهولة داخل سوق أوروبية تضم أكثر من 500 مليون مستهلك. كما تضمن الاتفاقية تحسين ظروف الاستثمار والمناخ العام للأعمال بإرساء أطر قانونية مشجعة ومشابهة لقوانين الاتحاد الأوروبي.

وتقضي الأليكا بأن تتم ملائمة الاقتصاد التونسي بشكل تدريجي مع المعايير الأوروبية وهو ما سيزيد من جودة المنتوجات والخدمات التونسية، ما ستكون له تداعيات إيجابية على المستهلك التونسي ويفتح أسواقا جديدة أمام السلع والخدمات التونسية.

وفي هذا الاطار، وضّح العديد من الخبراء الاقتصاديين أن اتفاقية التبادل الحر الشامل و المعمق مع الاتحاد الاوروبي يتم التفاوض بشأنها لفترة معينة ولن تدخل حيز التنفيذ بمجرد انتهاء التفاوض بشأنها إذ يتطلب الأمر تأهيل القطاعات التي تشملها النسخة الجديدة من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتونس وهي أساسا قطاعا الزراعة والخدمات.

وأكدوا على أن اتفاقية التبادل الحر والشامل والمعمّق بين تونس والاتحاد الأوروبي يجب أن تضبط بشروط معينة مع ضرورة تقييم التجربة السابقة من أجل التعرف على مواطن ضعفها، ونتائجها وانعكاساتها قبل الدخول في المفاوضات الجديدة بمعايير واضحة.

والجدير بالذكر هنا، انه لا يوجد أي تقييم رسمي إلى اليوم لاتفاقية عام 1995 اذ هناك تقييمات عبارة عن مجهود أحادي الجانب من بعض الجهات السياسية وجمعيات المجتمع المدني ولكن الدولة التونسية إلى اليوم لم تقم بتقييم رسمي ومستقل يسمح بالدخول في مرحلة جديدة من التبادل الحر ويذكر ان الحكومة عبرت على استعدادها لإعداد دراسة تقييمية لاتفاقية 1995 لكن لازلنا ننتظر ذلك.

في الاطار نفسه، أعدّ الخبير الاقتصادي سامي العوادي تقريرًا تناول فيه آثار اتفاقية 1995 بيّن فيه أنها ّتسببت في تفاقم الدين الخارجي، وتراجع الحصص التونسية في الأسواق العالمية، وضعف تدفق الاستثمارات الأجنبية إضافة لتسببها في ضعف الالتزام الأوروبي والتعاون المالي وذلك إضافة لآثار سلبية أخرى.

وإضافة الى ذلك، يرى العديد من الفاعلين الاقتصاديين ان عملية التفاوض يلفها الغموض لعدم مشاركة المجتمع المدني في سير المحادثات في حين يرى البعض الاخر ان المفاوضات بين تونس والاتحاد الأوروبي لا يشوبها الغموض بقدر ما يلفها نوع من عدم الدقة وغياب التوازن بين الطرفين اذ أنه من غير المعقول أن يتم تباحث اتفاق تبادل حر يشمل قطاع الزراعة مع عدم وجود اتحاد الفلاحة والصيد البحري أكبر النقابات الزراعية في تونس ضمن الأطراف الموجودة في المفاوضات وكذلك و بنفس المنطق لا يستقيم أن يتم التفاوض على قطاع الخدمات في غياب البنوك التونسية.

ويذكر ان هذه النقاط ليست هي الوحيدة المشكلة لمآخذ المنتقدين لمفاوضات اتفاق الأليكا، إذ يعتبر البعض أن الاتحاد الأوروبي يمارس نوعا من الضغط على تونس لتسريع توقيع اتفاقية التبادل الحر والشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي. واجمع الكثيرون على ان اتفاقية الأليكا هي اتفاقية غير عادلة وصل بالبعض حد وصفها بأنها “شكل جديد لاستعمار تونس″.

لذلك يؤكد الخبراء على أن اتفاقية الأليكا لا يجب أن تؤثر على السيادة الوطنية لتونس ولا على شراكاتها واتفاقياتها مع قوى دولية وإقليمية أخرى من بينها الاتحاد الافريقي والصين، ما يعني عدم تقييد تونس في هذا السياق وترك الباب مفتوحا للدخول في شراكات جديدة أو تعزيز الاتفاقيات القديمة.

ففي هذا الاطار، أفاد تقرير لمركز الخبراء الهولندي ايكوريس أُنجز بطلب من الاتحاد الأوروبي، ورغم مساندته لوجهة النظر الأوروبية إجمالا، بأن اتفاق التبادل الحر والمعمق ستكون له آثار سلبية على العديد من القطاعات الاقتصادية التونسية حيث سيؤدي إلى ارتفاع كبير للواردات من الاتحاد الأوروبي وانخفاض عام للصادرات. فعلى 37 قطاعا 9 منها فقط سترى ارتفاعا للصادرات والواردات وهي قطاعات غير أساسية في الاقتصاد التونسي مقابل انهيار لبقية القطاعات مثل المواد الحيوانية واللحوم المحولة، الغلال والخضار، الحبوب والبذور، مواد الجلد والخشب والورق، المشروبات والدخان والمواد غير المعدنية، قطاعات البنوك والتأمين، الاتصالات والتكنولوجيات الجديدة، النقل والتجارة والبناء والنسيج والبتروكيماويات وقطاع الطاقة والملابس وقطاع الكيماويات والبلاستيك….

فالحديث عن مرحلة تحوّل تدرجية، يقع فيها تأهيل القطاعات الاقتصادية لتحضيرها لمواجهة منافسة المنتوجات الأوروبية، مغالطة مفضوحة إذ إنها ليست غير واقعية فقط وإنما هناك استحالة لبلوغها حيث إن كل القوى المتحكمة في العلاقة بين الاتحاد الاوروبي وتونس تحول دون حصول ذلك التأهيل؛ فالمديونية والضغط على الأجور يعمقان التبعية، ويزيدان في تعطيل التراكم الرأسمالي المنتج في بلادنا ويمنعان كل إمكانية لرفع الإنتاجية والتنمية الحقيقية فخدمة الدَين الأجنبي تمنع زيادة الادخار الوطني والاستثمار الداخلي والتبادل اللا متكافئ يأتي على ما تبقى من إمكانية الاستثمار الوطني؛ فكل المؤشرات تؤكد هذا التوصيف سواءً من ناحية ارتفاع نسبة المديونية، وما يتبعها من امتصاص للثروة من طرف المركز الاستعماري، أو ارتفاع متواصل للواردات وما ينتج عن ذلك من تعميق للتبادل اللا متكافئ يمكّن الرأسمال الغربي من استغلال اليد العملة الرخيصة للمزيد من الأرباح  على حساب الشغالين في تونس، فحرية التنقل بين شاطئي المتوسط محصورة في السلع والاستثمار ولا يمكن سحبها على اليد العاملة لتبقى البطالة ضغطا متواصلا على الأجور ولتبقى اليد العاملة لقمة سهلة للرأسمال الأجنبي يواصل استغلالها لمزيد من الأرباح أساسا ومزيدا من الفقر والتهميش في تونس.

وخلاصة القول فإن الرضوخ إلى ضغوطات الاتحاد الأوروبي واقتحام مغامرة الاليكا سيدفع بتونس نحو دوامة خطيرة من الصعب الخروج منها ولن يزيد البلاد سوى أزمات اقتصادية واجتماعية جديدة دون نسيان التهديد المؤكد لأمننا الغذائي الوطني.

فهل ستستطيع الحكومة التراجع عن فتح حدودها امام الاتحاد الأوروبي وستقوم بالدراسات الشاملة والمعمقة لحماية اقتصاد البلاد قبل الاقدام على امضاء اتفاقية الاليكا؟ ام انها ستمضي الاتفاقية ضاربة عرض الحائط كل الأصوات المنادية بالتريث والتقييم الجدي للاتفاقية السابقة؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *