جريدة الخبير

ابنتي والربيع

549783_568926709785711_167698958_n

تلخيص نور الدين م.م

ملايين الناس تابعوا ذلك المشهد الرهيب ذات ليلة. شاهدوا ذلك الرجل يبكي ويمسح دموعه وهو يذكر موقفا وقفته ابنته تسأله عن المصير.

تندّر بها البعض وتغافل عنها اخرون، أما انا فاني رأيتها انفجار غضب ولوعة حزن وحرقة وجع. رأيتها رسالة منفتحة على الشعب والبلاد والانسانية كلها. رأيتها اجابة واضحة عن سؤال غامض ومعقد. لم تكن دمعة ضعف ولا استدرار عطف ولا لفت انتباه، انما هي دمعة رائعة نقية وصادقة من عين رجل عالم بأسرار الأمور، خبير بمتاهات التاريخ عارف بدقائق الأوضاع على يقين بما يفعل وما يقول.

وكنت على يقين انها ستكون دمعة ذا شأن. وحين اطلعت على صفحات بخط يد (الأستاذ عدنان منصور) لكتاب مازال  في طور التأليف  يحمل عنوان  (ابنتي والربيع) قررت تلخيص دون العودة اليه معتمدا على حلمه ورجاحة عقله ورصانة موقفه. مرتكزا بقوة على قولته العظيمة: ما أسررته في نفسي فهو لي وما أعلنته للناس فهو للناس.

….لو ألقي عليّ ألف سؤال لاستطعت أن أجيب عنها ولو على جلسات. أما أن تقبل عليّ ابنتي وفي عينيها حيرة تغطي على كل طمأنينة في الحياة وتلقي عليّ أسئلة كلها شكوك واتهامات، أسئلة موجهة لي وكأنها سهام تصيبني بلا رأفة.

ابنتي تسألني بجرأة … تكاد تكون وقاحة.

– هل نحن جئنا بالربيع وصنعناه بإرادتنا أم أن الربيع طرق أبوابنا فجأة فاحتضناه واكتفينا باستضافته ؟ …

استرسلت في القاء أسئلتها بجرأة  عجيبة مع ثبات الحيرة في عينيها، وواصلت ثباتي في مقعدي والنظر اليها في هدوء مع اعترافي بأنها فاجأتني وأربكتني.

وفي الأخير تماسكت وقلت برصانة:

– ألم تلاحظي يا ابنتي أن أسألتك كثيرة ومتعددة، وبقدر حقّك في عرضها علي بقدر حقي في استيعابها والرد عليها بأناة؟

أقولها حقا أن ردها كان أكبر من رجائي وهدوئي، كان ردّها مدعّما بحنقها  وخوفها وحيرتها أكبر من هدوئي ورصانتي.

– هذا شأنك يا أبي. هذه ليست أسئلتي وحدي، انها أسئلة ملايين الشباب من حولي، أسئلة ملايين الشباب العاطلين والمهمّشين والتائهين. أنا أسألك باسمهم جميعا أنا أطلب منك باسمهم الردّ على أسئلتي والاجابة عنها.

الان أجعلكم –بكل لطف- في مكاني وموقعي  فماذا يكون موقفكم؟ من ناحيتي لم أزد على وضع جبيني على راحة كفّي واسندت رأسي على ذراعي برهة ثمّ رفعت رأسي وواجهتها بسؤال فيه رجاء كبير .

– أيمكن أن تعطيني مساحة من الوقت أرد على أسألتك؟

شعرت لحظتها أنها هدأت قليلا فاستأذنت في الجلوس وقالت: أعتذر عن جرأتي يا أبي، فان صوت ملايين الشباب يدفعني الى ذلك وحيرتهم تلهمني السؤال.

– تيقنت أن ابنتي استعادت هدوءها فغمرني شيء من الاطمئنان وهززت رأسي مرتين موحيا اليها أني قبلت اعتذارها ورجوتها أن تجهّز لي فنجان قهوة فقالت بدلا ومحبة: على شرط أن تجهّز لي الاجابة عن أسئلتي. ونهضت وهي تداعب شعري الذي غزاه الشيب.

لحظتها قررت عازما، واثقا بنفسي ومبدئي وتاريخي ان أرد على كل سؤال سألتني اياه في شخص ملايين الشباب المهمش والمعطّل والمضيّع، وفي شخص كل الأطفال الذين سيكبرون يوما ما ويواجهون هذا الوضع. وكم أتمنى أن لا يهزهم هذا السؤال ولا تواجههم هذه الحيرة.

– من نحن ؟ وما هو موقعنا في الأرض وما مصيرنا؟ وما هي قيمتنا؟ وما دورنا في هذا العالم الانساني المتحول؟

– من نحن أمام الجميع وبين الجميع وماهو مركزنا بين هذه المجتمعات؟ ومن ؟ ومن؟

قررت أن أجيب ابنتي وأجيب كل أولادي وأحفادي بكل ما أحمل من صدق ومعرفة وبكل اخلاص متحللا من مهامي السياسية ومركزي الاجتماعي وموقفي الشخصي وانتمائي الفكري. سأجيبها وأنا على حياد تام.

سأقول بكل صدق وعمق غير ملتزم بالربيع وارهاصاته، والتاريخ وأحداثه والواقع ومصيره والحاضر وأتعابه. سأكتب اليها غير مرتبط بساسة ولا موقف. سأكتب لها ولكل الشباب عن التاريخ المعضلة والحاضر المشكلة والمستقبل الذي بدت ظواهر التخلّي عنه واضحة ووضعه في يد الاخرين جلية .

سأقول لابنتي ان هذا الربيع عملنا من أجله وناضلنا ولكننا لم نحدد يوم مجيئه بل هي الظروف التي فرضت علينا الموعد ولهذا لا يعدو أن يكون عرسا لم يحضره العريس ولم تتزين له العروس.

سأوجهها بكل جرأة هي وملايين الشباب وأقتحمها كما اقتحمتني بأسئلتها وأبسط أمامها الحقائق واضحة: ان الربيع أو الثورة ماهي الا حركة من حركات التاريخ لكبرى تصنعها الشعوب وتلتف حولها، وتحفظها من التراجع والانكسار، وان الارادة وحدها تصنع انتصارات الشعوب وان الصبر والتضحية والمكابدة والتفاني  والاخلاص والايمان بالفعل والحركة هي احدى حلقات الانتصار الكبير وان الثورة قبل قيامها حلم وأمنية وبعد حدوثها فكر وعمل ونضال وان الشعوب اذا كانت كبيرة سيتصاغر أمامها الظرف مهما كانت صعوبته وعلى الشعوب أن تكون في مستوى الحدث وفي حجم الوطن. أما الشك والحيرة والضعف والتراخي فتلك علامات مرعبة وأحد أسباب الانكسار. سأقول لها يا ابنتي:

  ان نباح الكلاب لا يمحو سواد الليل

  ان الله  لا يعطيك على قدر دعائك ان الله يعطيك على قدر عملك.

من صفحات كتاب « ابنتي والربيع»

للأستاذ المؤرخ عدنان منصر

0 Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *