إجراء سري وخطير في جامعة تونس المنار يعبث بالفكر العلمي ويورّط نظريّا في الفساد

 Capture d’écran 2019-02-01 à 13.04.10

عندما يصل الأمر بالمسؤولين إلى تنظيم التعتيم على العبث بالفكر العلمي بمؤسسات التعليم العالي، فهذا يقود إلى الاستنتاج بأن الانحراف بالقرار الإداري على القانون وعلى العرف الدولي أصبح أمرا مفروضا يرتبط بالفساد ولم يعد بالإمكان معالجته عن طريق القضاء، وذلك راجع إلى أن تفشي عقلية الفساد في غياب تام لأجهزة الرقابة والنظر في الطعون قد جعل العديد من الفاعلين في الإدارة يعتمدون طريقة التعتيم على الإجراءات المعتمدة في صناعة القرارات المتعلقة بسلطة التقييم، حتى يتمكنوا من إخفاء الانتهاكات المرتبطة باستغلال النفوذ لتحقيق فائدة لا وجه لها على حساب مصلحة المواطن حتى وإن كانت تلك المصلحة لا تتجاوز الاعتمادات المخصصة لإنجاز مشاريع البحث في الدكتوراه التي يمكن تحويل وجهتها لأغراض خاصة.

فبما أن المساعدة على إنجاز أوّل مشروع بحث علمي حول توازن السفن والاعتراف به رسميّا لا يمكن أن يكون إلاّ في إطار التسجيل بمؤسسة مؤهلة قانونيّا لمتابعة بحوث الدكتوراه في مادة قريبة من الاختصاص موضوع البحث، فقد تبين عن طريق الصدفة في الملف عدد 16-3379 أن المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس المنار تفرض إجراء سرّي وغير قانوني في فرز الترشحات دون النظر حتى في موضوع البحث وفي مؤهلات الباحث ولا يمكن أن يكون ذلك الإجراء لغرابته ولخطورته قد وضع بصفة عفوية في وسط علمي يمكن أن تدرك فيه جيّدا قواعد التقييم لملفات الترشح إلى الدكتوراه على الصعيد الدولي بالنسبة لحاملي شهادة الماجستير أو ما يعادلها.

ولذلك، فإن ذلك الإجراء يهدف منطقيّا إلى إقصاء عدد كبير من المترشحين إلى الدكتوراه من الذين تمّ التغرير بهم عن طريق الإعلانات على موقع المؤسسة ليقوموا بالتسجيل عن بعد وبإحالة الوثيقة التأليفية لمشروع البحث المصادق عليه من طرف الأستاذ المشرف دون الإشارة على ذلك الموقع إلى أي إجراء يتعلق بفرز الترشحات.

حيث أن الإقصاء الجماعي لعدد كبير من المترشحين لا يمكن أن يكون مرتبطا بعدد البقاع المفتوحة للترشح بما أن المؤسسة لم تحددها إطلاقا على موقعها، بل أن ذلك يمكن أن يسهّل التلاعب بمشاريع البحث بعد أن تقدّم جاهزة للإنجاز وتسقط بيد كل من يكون بإمكانه العبث بالملكية الفكرية لمشاريع قد تمت المصادقة عليها مبدئيّا من طرف المشرفين على البحث، كما أن ذلك يمكن أن يسهّل نهب المنح التي تخصصها الدولة في مجال البحث العلمي بعد حصول المؤسسة على ملفات المترشحين التي تغطي المصاريف الوهمية التي يمكن إدخالها في الحسابات المالية، وقد يكون ذلك المخطط معمّم على جميع المؤسسات الجامعية وتلك الكارثة المتعلقة بضياع الفكر العلمي.

وحيث أنه خلافا للعرف الدولي، فإن المدرسة الوطنية للمهندسين ترفض مطالب التسجيل في الدكتوراه على أساس عدم حصول المترشح على عدد أدنى score يتمّ احتسابه باعتماد المعدلات المتحصل عليها في السنوات الجامعية حسب معطيات الترشح cursus المطلوبة على موقع التسجيل الأوّلي préinscription، وذلك دون اعتبار أي مقياس آخر يراعي موضوع البحث الذي تقدم به المترشح وطريقة انجازه حسب الوثيقة التأليفية الواردة بالملف ويراعي كذلك الخبرة المهنية في الاختصاص موضوع البحث بالرجوع أساسا إلى السيرة الذاتية للمترشح كما هو معمول به مثلا في فرنسا، ثمّ أن تلك المؤسسة لم تقم على موقعها الرسمي بإعلام المترشحين باعتماد ذلك المقياس في التقييم ولا بالعدد الأدنى المطلوب للترشح وبطريقة احتسابه barème حتى يمكنهم على الأقل التأكد من الترشح أو الاعتراض على العدد المسند لملفاتهم.

وبالإضافة على أنه لا يمكن قانونيّا تطبيق أي إجراء إداري يكون مخالف للمنطق وللعرف الدولي، فإن المقياس الذي اعتمدته المؤسسة الجامعية هو كذلك مخالف للإجراءات القانونية الواردة بأحكام الفصل 5 من الأمر عدد 47 لسنة 2013 المؤرخ في 4 جانفي 2013 وبأحكام الفصل 2 من قرار وزير التعليم العالي والبحث العلمي المؤرخ في 22 أفريل 2013 والتي ترجع حصريّا تقييم ملفات الترشح إلى لجنة الدكتوراه المتكونة من أساتذة جامعيين يعتمدون أساسا في تقييمهم بالتصويت على التثبت من كفاءة المترشح في انجاز موضوع البحث الذي تقدم به دون أن تشير تلك الأحكام إلى إمكانية إلغاء أعمال اللجنة ومنع أعضائها من التصويت بمجرّد عدم حصول المترشح على عدد أدنى يمكن احتسابه آليا مهما كان الاختصاص المطلوب.

وحيث يمكن الاستنتاج من خلال الإخلالات التنظيمية والقانونية التي تمت معاينتها، بأن المؤسسة المعنية قد تجد في ذلك الإجراء وانعدام الشفافية طريقة جهنمية في انتقاء المترشحين حسبما يروق للمشرفين على مصلحة الدكتوراه، وذلك طالما أنه يكون بإمكان الأعوان المتدخلين تغيير المعطيات وإدخالها بالحاسوب الذي يمدهم بنتيجة التقييم الآلي ويكون بإمكانهم كذلك تغيير طريقة الاحتساب والعدد الأدنى المطلوب للترشح إذا أرادوا إقصاء أي كان، ثمّ يمدون بتلك النتائج المغلوطة إلى لجنة الدكتوراه التي تكون ملزمة بعدم مواصلة التقييم المتعلق بموضوع البحث بعد أن يتمّ إيهام جميع أعضائها بأن مقياس العدد الأدنى هو شرط قانوني يمنع من الترشح في حين أن ذلك الإجراء يعتبر مناورة إدارية بامتياز لأغراض لا يمكن أن تكون غير الفساد.

ومن هنا يمكن إيجاد الرابط بين المناورة الإدارية والتخطيط لنهب المنح المخصصة للبحث العلمي أو لتغطية صرفها في غير محلها، باعتبار أن المؤسسة الجامعية تتصرف بمفردها في تلك المنح التي تحال إليها من الوزارة بمقتضى الفصل 7 والفصل 24 من الأمر عدد 2716 لسنة 2008 المؤرخ في 4 أوت 2008، وباعتبار أن ميزانية المنح تضبط مسبقا حسب عدد المترشحين إلى الدكتوراه الذين قاموا بالتسجيل الأوّلي على موقع الوزارة قبل أن يقوموا به على موقع المؤسسة، وباعتبار أن المؤسسة يمكنها أن تنتقي المترشحين في حدود البقاع التي يمكن توفيرها حسبما يتبقى من الميزانية المبرمجة وباستعمال المحسوبية في انتقاء المترشحين طالما أن ذلك يكون ممكنا عند تطبيق الإجراء السرّي والمبرمج لأغراض انتقائية.

وحيث أن ما يدعّم تلك الاستنتاجات، أن المؤسسة تتجنب وترفض أي إعلام كتابي حول رفض الترشح وأسباب الرفض score insuffisant خلافا للالتزام الذي قامت به على موقع التسجيل والذي يبقى للتمويه على الحقيقة ، طالما أن الإعلام الكتابي يمكن أن يحمّلها مسؤولية الإقصاء المبرمج في حق المترشحين إلى الدكتوراه وفي حق الأساتذة المشرفين على البحوث عند إمكانية الطعن في شرعية الإجراء أمام القضاء، وطالما أن ذلك يمكن أن يكشف عن عدم تطابق بين المنح الفعلية والمنح المصرّح بها عند التدقيق في حسابات المؤسسة من خلال التثبت من ملفات المترشحين.

وبالتالي، فإن تصحيح الإجراء أصبح يتطلب إيقاف التعتيم على الانتهاكات المبرمجة في الترشح إلى الدكتوراه من خلال إثارة الرّأي العام للدفع بمن له سلطة على التعيينات إلى مسائلة كلّ من رئيس جامعة تونس المنار ومدير المدرسة الوطنية للمهندسين حول موقفهم الرّسمي من الإخلالات التنظيمية والقانونية موضوع الاعتراض الموجه إليهم بتاريخ 02 جانفي 2019، والذين يمكن تحميلهم المسؤولية في الوقوف وراء تلك الانتهاكات إن لم يبادروا باستنكار الإجراء والعمل على تصحيحه، طالما أن عدم الاعتراف بتطبيق ذلك الإجراء يؤكّد بعد التحرّي التورط في التعتيم على المناورة الإدارية وطالما أن التمسك بشرعية ذلك الإجراء لا يمكن أن يقوم منطقيّا بعد تقديم الطعون في شأنه ويؤكد التهرب من التحقيق في أبعاد الانتهاكات.

الهاشمي حمدي

ربّان وخبير بحرية تجارية

ماجستير الأكادمية البحرية

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *