سياسة صندوق النقد الدولي و البنك الدولي تقود حتما الى فقدان الدولة لسيادتها

Capture CHOKRI

الليبرالية المتوحشة المفروضة علينا تؤدي الى سحق الطبقة المتوسطة و زيادة الفقراء فقرا

– المصالحة الوطنية يجب أن تكون شاملة و باتفاق كل الفرقاء حول مبدئها و أهدافها

 

لا يخفى على أحد أن الاقتصاد التونسي صار اليوم محور اهتمام عديد الأطراف  وخاصة البنك الدولي و صندوق النقد الدولي هاذين المنظمتين الدوليتين اللتان تربطهما علاقة وثيقة بالسياسية الاقتصادية المتبعة في تونس بعد الثورة و التي انبنت اساسا على سياسة  » الاقتراض وفق الاملاءات الخارجية « ، في هذا الاطار كان لنا حوار مع السيد شكري بلطي رئيس الحزب الاشتراكي الدستوري للحديث في نقطة اولى عن دور هاتين المنظمتين في اضعاف دور الدولة الاقتصادي ، و ثانيا الحديث عن رأيه فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية و في ما يلي نص الحوار :

أي دور لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في إضعاف دور الدولة الاقتصادي؟

تشير الكثير من الدلائل والمؤشرات  ان الإصلاحات الاقتصادية في تونس يجب أن تسعى فيما تسعى إليه الى اعادة النظر في مجموعة من الإختلالات الهيكلية  التي تمثل صورة من صور الاختلال في العلاقة بين المتغيرات الاقتصادية من ناحية ، وارتباطها الوثيق بالمتغيرات الاجتماعية في علاقة بالتنمية كعناصر حتمية للاستقرار السياسي التي يعود بعضها الى عوامل داخلية مثل عجز الموازنة وارتفاع معدلات البطالة وتدني الإنتاجية والتضخم وعوامل خارجية متمثلة في عجز ميزان الدفوعات وتفاقم المديونية ومعالجة ذلك فالإصلاح يجب أن يكون عن طريق دور الدولة الاقتصادي في رسمها للسياسة الاقتصادية الداخلية والخارجية معولة على إمكانياتها المتوفرة والعمل على تطويرها عبر منظومة إصلاحية ترتكز على منوال اقتصادي وتنموي وتستجيب لمتطلبات المرحلة وتأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع وتركيبته وجرد شامل علمي شفاف ودقيق لعناصر إنتاج الثروة ، والمخزون الاحتياطي الباطني وعلى ما وهبتنا الطبيعة من أراض خصبة ، وعليه فإن كل إضعاف لدور الدولة المباشر سوى بالابتعاد عن التخطيط المركزي المدروس أو الاستقالة التامة لفائدة القطاع الخاص والاقتصاد الجهوي الحر ( لقفصة الفسفاط ،لتطاوين النفط والغاز..لقبلي التمور و…. )   بحجة وأنها مناطق إنتاج وهذا لا ينفي حقها في التنمية والاندماج الفعلي في اقتصاديات السوق الداخلية و هو ما يؤدي حتما لانقسام اقتصادي واجتماعي يفضي مباشرة لتهميش دور الدولة وربما لتفكيكها ولعل من نتائج مثل هذه الأطروحات السياسية لنمط اقتصادي ربما أفرزته وقائع اجتماعية السقوط أكثر في مستنقع  المديونية الخارجية وعندها يفرض علينا الإصلاح الاقتصادي من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي نهائيا كحل في اعادة جدولة الديون. ومنذ بداية الثمانينات وبرامج الإصلاح الاقتصادي الرامية الى اعتماد الليبرالية الاقتصادية واستهداف السوق وإضعاف دور الدولة تطرح علينا وازدادت  اتساعاً وعمقا خلال السنوات الأخيرة ومازالت مستمرة… وتتضح اهمية وخطورة الطرح لهذه الظاهرة من جوانب عديدة كما يشار لها في:

  1. الإصلاحات المقترحة عموما تشترك في الجواب الفلسفية والفكرية وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تهدف الى آلية السوق كمحور مركزي للنشاط الاقتصادي والسعي لتضييق او انهاء دور الدولة الاقتصادي وإضعاف سياستها الاجتماعية بإعطاء المبادرات للقطاع الخاص ولجذب الاستثمارات الأجنبية والاندماج في السوق العالمية دون قيد أو شرط حسب إملاءات الصناديق المانحة.
  2. الجانب الثاني لظاهرة الإصلاح الاقتصادي هو تدخل المؤسسات المالية والتمويلية الدولية تدخلا مباشرا في صياغة برامج الإصلاح المذكور طبقا لقراءتها الخاصة طبعا والشيء الجديد فيه ان هذا التدخل يمارس الآن بشكل علني ومفضوح ويناقش على مستويات عالية ولا يجري بشكل من السرية والكتمان كما كان يجري في الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي.

وهنا نشير الى ان اهداف الإصلاحات الاقتصادية المقترحة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغاياته العاجلة والمستقبلية ونتائجه المتوقعة وعواقبه المحتملة ومتطلباته الداخلية والخارجية هو السعي الى التحول الى الليبرالية الاقتصادية الجديدة. ومن خلال نظره الى تجارب « الاصلاحات الاقتصادية » وفق فلسفة هاتين المنظمتين الماليتين الدوليتين التي يجري الترويج لها في معظم البلدان النامية وفي البلدان العربية بشكل خاص ومنها تونس  من خلال الندوات والمؤتمرات والحلقات الدراسية وطرح الأفكار وفتح حوارات مفتوحة حول اهداف البنك والصندوق وتوضيح القضايا الفكرية والعملية المتعلقة بالإصلاحات وربطها بالخروج من مأزق المديونية الخارجية وأن الاصلاحات المقررة حسب الصندوق والبنك الدوليين يحول دون تحديد دور ملائم وفاعل للدولة  لإعادة رسم الأهداف الاقتصادية الاستراتيجية ، بل ولا يترك لهذا البلد او ذاك او يمنحه ثقة يحدد لنفسه نوع برنامجه الاصلاحي بصوره مستقلة وفي اعادة جدولة الديون بل يشرف بشكل مباشر على تصميم البرنامج ويحرص على تنفيذه ومحاسبة الحكومة بكل خطوة يشعر فيها « البنك والصندوق » بأنها (الدولة) قامت بإعادة النظر في البرنامج المرسوم من قبلهما.

 وما يميز ويزيد من خطورتها أن هذه الاصلاحات من خلال تطبيقات الاصلاح الاقتصادي وفق وصفة البنك والصندوق الدوليين هي انها تسعى الى الغاء دور الدولة الاقتصادي وتخليها عن سيادتها على مؤسساتها الاقتصادية وخصخصة مؤسسات القطاع العام حتى المربحة منها ( كمصانع الإسمنت والنزل والفولاذ والناقلة الوطنية والتي تمت عمليات إضعافها في مراحل سابقة يطول شرحها…..) بأقصى ما يمكن دون مراعاة الآثار التي تتمخض عن ذلك ومدى انعكاساتها على المواطنين وكشف السوق والاقتصاد الوطنيين امام التأثيرات الخارجية ودمجها بالسوق العالمية واحتكاراتها وجعل الدولة ووظيفتها الاجتماعية خاضعة لإرادة السوق والاقتصاد والى اعادة جدولة الديون وفقا لمشيئة الدول والبنوك الدائنة وتقليص دور الحكومة تقليصا مسبقا (عبر الخصخصة) لجميع مرافق القطاع العام ويمكن ان يجري التدخل حتى بالقرارات السياسية.

 السياسة المالية المقترحة من صندوق النقد الدولي والتي تؤثر في تحسين السيطرة على عجز الموازنة  هي تحديد برنامج التخفيض في الموازنة بنسب محددة من الناتج الداخلي الإجمالي وان يواصل هبوطه وفق شروط الصندوق النقد الدولي وان الهدف الذي يتحقق من خلال خفض النفقات الجارية وخفض النفقات الرأسمالية وعدم التوسع في الأجور وتخفيض عدد العاملين في القطاع  الحكومي والوظيفة العمومية ولا تحصل زيادة في الأجور وتخفيضها بنسب معينه مع ايقاف او تخفيض الدعم الحكومي او تحديده في الفئات المنخفضة الدخل، وتخفيض حجم الاستثمارات الحكومية في الأنفاق على الخدمات والقطاعات الاجتماعية وعلى التعليم والصحة وإصلاح النظام الضريبي وفرض ضريبة عامة على المبيعات ورفع اسعار الطاقة  وكذلك رفع اسعار العديد من السلع والخدمات كالكهرباء والغاز والماء وأسعار المواد الغذائية الأخرى وأسعار خدمات الاتصالات والنقل وأسعار بعض المنتجات والمدخلات الزراعية  بالإضافة الى اساليب تمويل العجز في الموازنات وغيرها من الإجراءات التي تتعلق بالتضخم.

أ. إتباع السياسة النقدية التي تهدف الى امتصاص السيولة النقدية والحد من التوسع الائتماني وضبط عرض النقود للتقليل من معدلات التضخم ووضع سياسة للسقوف الائتمانية و تفعيل دور البنك المركزي في قيادة السياسة  النقدية .

ب. اعتماد سياسة سعر صرف تعتمد الى خلق سعر صرف واقعي الذي يصبح بمقدوره الحفاظ على انجاح برنامج التثبيت والسماح بتداول النقد الأجنبي خارج البنوك من خلال شركات صيرفة. كل هذه الشروط ستأخذننا مباشرة إلى ما يلى:

 1/ إضعاف أو إلغاء دور الدوله المباشر في الاستثمار وبالتالي في تفعيل النمو الذي يفترض ان الحكومة انما تتدخل في الأساس كقوة تعديلية من اجل حماية ذوي الدخل المحدود والفقراء.

 2/ إجراءات يمكن ان تستهدف وتضر بالفقراء من خلال تخفيض حجم العجز في الموازنة الحكومية بما فيه تخفيض او الغاء الدعم لبعض السلع والمواد الأساسية.

3/ تخفيض الانفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية والمستهدف بهذه الحالة هي الفئات المسحوقة ومن ذوي الدخول الضعيف.

4/ التخفيضات المقترحة عادة في اسعار صرف العملة الوطنية كجزء من التثبيت الاقتصادي تعمل على رفع بعض اسعار السلع والخدمات الضرورية بينما يؤدي رفع اسعار الفائدة او ايلاء اهمية مفرطة ذات توجهات ودوافع ايديولوجية للخوصصة  اي لتقليل الاستثمار الجديد في مرافق وأنشطة جديدة وتقليل امكانية العمل وبالتالي تزيد من مشكلة البطالة وحدّتها.

ان الخوصصة حينما تقلص دخل الدولة من خلال استهداف مؤسسات حكومية رابحة بما يتناقض وهدف تثبيت الميزانية العامة. كما وتؤدي الى تمركز رأس المال وتقوية الاحتكارات المحلية عندما تبيع مؤسسات عمومية الى كبار المستثمرين بأسعار رخيصة جدا وخلق مافيات، وقد ترفع هذه الإجراءات من معدلات البطالة استجابة لدافع تعظيم الأرباح وإفساح المجال الى التدفقات الاستثمارية الأجنبية الخاصة والتي تؤدي الى الزيادة في حجم البطالة وتوسع من فجوة التفاوت في الدخول عن طريق ما قد تؤدي اليه من انتشار انماط جديدة للاستهلاك والى تطبيق اساليب جديدة للإنتاج اكثر كثافة في استخدام رأس المال والى احلال منتجات جديدة محل المنتجات المحلية التي كانت اكثر استجابة ومناسبة لطلب محدودي الدخل وبالتالي القضاء على مهن وحرف وصناعات تقليدية محلية بحكم تغول مؤسسات إنتاج ضخمة معظمها يعمل بمنظومات إلكتروميكانكية لا تستوعب الكثير من اليد العاملة.

الحلول اللازمة حسب رأيكم ؟ 

على عكس ما يطرحه ويسوق له صندوق النقد الدولي أرى أنه من المؤكد والأسلم أن ننكب وبكل جدية على قراءة واقعنا الاقتصادي ومحاولة فك رموز الإشكاليات والمصاعب داخليا ويجب أن تنطلق وتؤخذ القرارات الوطنية سياديا  ومن واقع وخصوصية الاقتصاد الوطني ومن تثبيت مالي وطني للميزانية ولميزان الدفوعات وإعادة الهيكلة للقطاعات المصرفية والمالية والإنتاجية وغيرها على مراحل وليس دفعه واحدة وإنما بالتدريج زمنيا وقطاعيا ومحاولة التوفيق بين الاستقرار الاجتماعي والسياسي وبين تحريك السوق وتنشيط القطاع العام والمحافظة على طاقته التشغيلية وتطويره في شراكة مدروسة وذات فائدة وقيمة مضافة مع القطاع الخاص بالتواكب مع الانفتاح على السوق الخارجية في توازن وترشيد لحجم المبادلات التجارية ، ولا تؤدي هذه الإصلاحات حتما إلى عملية اعادة الجدولة والخضوع بالكامل لإملاءات وشروط الجهات المانحة ، وإنما نترك خيارات متعددة ومفتوحة بشأن دور الدولة وقطاعها العام  بالدفع لحالة من التنافس النزيه والمدروس والمقنن مابين القطاعين الخاص والعام تخلق حركية وديناميكية في الأنشطة الاقتصادية تعود حتما بالفائدة على الجميع وخاصة تعطي الجانب الاقتصادي بعدا اجتماعيا يمكن الدولة من تدعيم السلم الاجتماعي وبالتالي توفير أسباب استقرار الإنتاج ووضع البرامج والخطط لاستغلال سليم ومفيد ودائم لثرواتنا دون اللجوء ولو جزئيا للتداين الخارجي لتغطية الاستهلاك الداخلي .

رأيكم في ما يتعلق بقانون المصالحة و تداعياته على الوضع الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي ؟

في اعتقادي انه لا يمكن لأي دولة حديثة ان تشق طريقها نحو التقدم و الرخاء دون تحقيق المصالحة الوطنية. وفق هذه القناعة كنا قد تقدمنا في مناسبة سابقة لرئاسة الحكومة في جويلية 2013 بمبادرة  ندعو من خلالها الى ضرورة تشكيل لجنة وطنية عليا لتحقيق التصالح و المصالحة بين كل افراد المجتمع و بكل ابعادها السياسية و الاقتصادية و المالية و والاجتماعية و علينا جميعا ان نعي انه لا خيار سلمي و حضاري لنا في هذه الظروف التاريخية الحرجة غير تحقيق التصالح و المصالحة بين كل الفرقاء اذا كنا فعلا نريد الخير لوطننا الحبيب و نسعى لان تكون دولتنا الدستورية الثانية دولة عصرية حضارية متقدمة.

و بالتالي يجب ان تكون هذه المصالحة وطنية شاملة و لا يجب ان يكون لها اجندات سياسية. وعليه فعلى كل الاجندات و المشاريع السياسية ان تتفق على مبدأ المصالحة و اهدافها.

حنان العبيدي

المشاركة تعنى الاهتمام!

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

shares